2 -وهذه العلاقة الجنسية لا تقتضي المودة فيما بين الزوجين فحسب، بل تقتضي مع ذلك أن تكون لكليهما صلة روحية عميقة بالولد الذي ينتج عن تلك العلاقة الودية بينهما. لذلك قد جعلت الفطرة في تكوين الإنسان وفي تكوين المرأة وطريقة حملها ورضاعتها على الأخص، ما هو كفيل بأن يملأ شعاب قلبها بحب الأولاد. فيقول عز من قائل"حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ" (لقمان: 14) . ويقول في موضع آخر:"حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا" (الأحقاف: 15) وكذلك حال الرجل، وإن كان دون المرأة في حب الأولاد."زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ" (آل عمران: 14) . وهذه المحبة والحنان الفطري تقيم أواصر الصهر والنسب بين أفراد الإنسان، ومن تلك الأواصر تنشأ الأسر والعائلات. ومن هذه تتألف القبائل والشعوب ومن روابط هذه الشعوب والقبائل ينتج التمدن"وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا" (الفرقان: 54) "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" (الحجرات: 13) .
فقرابات الرحم وأواصر الصهر والأنساب هي في الحقيقة مؤسسات بدائية طبيعية للتمدن الإنساني، ويتوقف قيامها على أن يكون الأولاد من الآباء المعروفين المعلومين، وتحفظ الأنساب من الخلط والزيف.
3 -ومن مقتضى الفطرة الإنسانية أيضًا أنه إن ترك الإنسان من ورائه شيئًا كسبه بكدّ يمينه وعرق جبينه، يتركه لأولاده وأقاربه الذين بقي طول حياته مرتبطًا بهم بقرابات الرحم والدم."وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ" (الأنفال: 75) ."وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ" (الأحزاب: 4) . ويؤخذ من ذلك أن حفظ الأنساب مما تستلزمه قسمة الميراث أيضًا.
4 -إن غريزة الحياء في الإنسان غريزة طبيعية. ففي جسده أعضاء وأجزاء قد جبله الله على الرغبة في سترها وإخفائها، وهذه الرغبة هي التي ما زالت تحضّ الإنسان منذ الأزل على أن يتخذ لجسده نوعًا من أنواع اللباس. وفي هذا الباب يرد القرآن النظرية الجديدة ردًا باتًا، فيقول: إن أجزاء الجسد الإنساني التي قد وضعت فيها الجاذبية الجنسية للرجل والمرأة، تقتضي الفطرة الإنسانية أن يُعنى المرء بسترها ويستحيي من كشفها، ولكن الشيطان لا ريب يريده على أن يبرزها."فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ، فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ" (الأعراف: 20 - 22) . ثم يقول القرآن إن الله قد أنزل عليكم اللباس لتتّخذوه ساترًا لعوراتكم وزينة لأجسامكم. ولكن هذا الستر للعورات ليس كل شيء، بل يجلب مع ذلك أن يعمر تقوى الله قلوبكم."قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ، ذَلِكَ خَيْرٌ". (الأعراف: 26) .