الصفحة 183 من 200

وآخر ما أمر الله به النساء، بعد ما وصّاهن في اللباس وفي حدود العورة، هو ما يأتي:"وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى" (الأحزاب: 33) "وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ" (النور: 31) "فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ" (الأحزاب: 32) . وقد اختلفوا في قراءة (وقَرْن) فقد قرأها عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين بفتح القاف ومصدرها قرار. ومعنى الآية بذلك: التزمن بيوتكن واستقررن فيها. وقرأها عامة قراء البصرة والكوفة (وقِرْن) بكسر القاف، وهي من وقَر الرجل ووقُر وقارًا. فمعنى الآية إذًا: عشن في بيوتكن بالسكينة والوقار. وللتبرج معنيان: أحدهما إظهار الزينة والمحاسن. والآخر: التبختر والاختيال، والتلأني والتأود في المشي. وكلا هذين المعنيين مراد في هذه الآية. وذلك أن النساء في الجاهلية الأولى، كنساء هذه الجاهلية الجديدة، كن يخرجن في أجود زينتهن ويمشين مشية من الدلال تكاد لا تقع فيها أقدامهن على الأرض، بل على قلب من ينظر إليهن. ويقول التابعي والمفسر الشهير قتادة بن دعامة:"كانت لهن مشية تكسّر وتغنّج فنهاهن الله عن ذلك". ولتصوّر كيفيتها لا نحتاج إلى بيان تاريخي، بل اشهد مجلسًا تحضره أوانس من الطراز العصري الأوربي، تتمثل لك مشية التبرج الذي اعتادته نساء الجاهلية الأولى. فهي هي التي ينهى عنها الإسلام، ويقول: إن مقام المرأة ومستقرها هو البيت. وما وُضعت عنه واجبات خارج البيت إلا ليلازمن البيوت بالسكينة والوقار ويقمن بواجبات الحياة العائلية. أما إن كان بهن حاجة إلى الخروج، فيجوز لهن أن يخرجن من البيت، بشرط أن يراعين جانب العفة والحياء. فلا يكون في لباسهن بريق أو زخرفة أو جاذبية، تجذب إليهن الأنظار، ولا في نفوسهن من حرص على إظهار زينتهن، فيكشفن تارة عن وجوههن، وأخرى عن أيديهن، ولا في مشيتهن شيء يستهوي القلوب، ولا يلبس كذلك من الحلي ما يحلو وسواسه في السامع، ولا يرفعن أصواتهن بقصد أن يسمعها الناس. نعم، يجوز لهن التكلم في حاجتهن، ولكنه يجب أن لا يكون في كلامهن لين وخضوع ولا في لهجتهن عذوبة وتشويق. كل هذه الضوابط والحدود إن راعتها النساء، جاز لهن أن يخرجن لحوائجهن.

هذا في القرآن. وتعال الآن نرجع إلى السنة المطهرة، لنرى ما الذي كان قرره النبي صلى الله عليه وسلم من الطرق لسلوك نساء المسلمين في المجتمع، وفقًا لهذا التعليم القرآني، وكيف عمل به الصحابة ونساؤهم رضي الله عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت