فقد ورد في الحديث أن عمر رضي الله عنه كان يود، قبل أن ينزل الحجاب، لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر نساءه بالاحتجاب. وذات مرة خرجت أم المؤمنين سودة رضي الله عنها لبعض حاجتها بالليل. فرآها عمر بن الخطاب وقال: يا سودة! أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين. وكان مراده بذلك أن تمنع النساء من الخروج. ولما نزلت بعد ذلك آية الحجاب، نشط عمر، وازداد شدة في نهي النساء عن الخروج. وحدث لسودة رضي الله عنها مرة أخرى أن خرجت من بيتها، فصاح بها عمر، فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرت ذلك له. فقال:"قد أذن الله لكن أن تخرجن لحوائجكن" [1] .
فيعلم من هذا أنه ليس المراد بحكم (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) أن لا تتخطى النساء عتبة بيتهن أبدًا، بل الأمر أن قد أذن لهن أن يخرجن لحوائجهن. ولكن هذا الإذن ليس بمطلق غير محدود، ولا هو غير مقيد بشروط. فليس جائزًا للنساء أن يطفن خارج بيوتهن كما شئن، ويخالطن الرجال بحرية في المجالس والنوادي. وإنما مراد الشرع بالحوائج هو الحاجات الحقيقية التي لا بد معها للنساء من أن يخرجن من البيوت ويعملن خارجها. ومن الظاهر أنه لا يمكن استيعاب جميع الصور الممكنة لخروج النساء وعدم خروجهن، في جميع الأزمان، ولا من الممكن وضع الضوابط والحدود لكل مناسبة من تلك المناسبات. غير أن المرء يستطيع أن يتفطّن لروح القانون الإسلامي ورجحانه، إذا نظر فيما قرره النبي صلى الله عليه وسلم من الضوابط لخروج المرأة من البيت في عامة أحوال الحياة، وما تناول به حدود الحجاب من الزيادة والنقص بين آونة وأخرى، وأن يستخرج بنفسه حدود الحجاب للأحوال الفردية والشؤون الجزئية، وقواعد الزيادة فيها والنقص منها تبعًا للحالات والملابسات. وها نحن نسرد فيما يلي بعض المسائل إيضاحًا للأمر:
(1) هذه خلاصة أحاديث متعددة أخرجها مسلم في باب (إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان) والبخاري في باب (خروج النساء لحوائجهن) وباب (آية الحجاب) .