الصفحة 185 من 200

معلوم بالبداهة أن أعظم الفرائض في الإسلام هو الصلاة. وقد جاء في الحث على حضور المساجد والشركة في الجماعة ما لا يخفى على أحد. ولكن النساء قد أمرن في باب الصلاة مع الجماعة بعكس ما أمر به الرجال. فأفضل صلاة الرجل هو ما يصليه مع الجماعة في المسجد. وأفضل صلاة المرأة ما تصليه في أخلى خلوة من بيتها. وقد أخرج الإمام أحمد والطبراني عن أم حميد الساعدية، قالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك. قال:"قد علمتُ. صلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة" [1] . وحديث آخر في مثل هذا الموضوع قد أخرجه أبو داود عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم"صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها" [2] .

فانظر كيف انقلب الترتيب في صلاة المرأة. فبينما أحط صلاة الرجل هو ما يصليه في بيته، وأفضلها ما يصليه مع أكبر جماعة في المسجد. إذ أفضل صلاة المرأة صلاتها في أقصى خلوة بيتها. ومثل هذه الصلاة في الخلوة لم تُفضّل على صلاة الجماعة فحسب، بل فُضّلت على ما ليس وراءه مطمع لمسلم، وهو صلاة الجماعة في المسجد النبوي خلف النبي صلى الله عليه وسلم نفسه. أرأيت ما العلة لهذا التمييز بين المرأة والرجل في هذه العبادة؟ أليست علته أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحب خروج المرأة من بيتها وأراد أن يمنع اختلاط الذكور والإناث في جماعة المسجد.

على أن الصلاة فريضة مقدسة. والمسجد مقام طهارة وصفاء. لذلك بينما أفصح الشارع عما يريد من منع اختلاط الجنسين، بما بيّن لأنواع صلاتهما من الفضيلة وعدم الفضيلة، لم يمنع النساء على الإطلاق من حضور مقام مطهّر كالمسجد، لعمل صالح كالصلاة. وإن الكلمات التي قد ورد فيها الإذن لهن في حضور المساجد، لدالّة على سمو حكمة الشارع. قال صلى الله عليه وسلم:"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله. وإذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها" [3] . وقال:"لا تمنعوا نساءكم المساجدَ وبيوتهن خير لهن" [4] .

(1) إن المصلحة من وراء إيصاء المرأة بأن تصلي في أبعد خلواتها، قد تفهمها النساء أكثر من غيرهن. وذلك أن المرأة تنتابها في كل شهر أيام، تضطر فيها إلى ترك الصلاة. وبذلك يظهر منها ما لا تحب ذات حياء أن يظهر حتى على إخوتها وأخواتها في البيت. وهذا الحياء ربما حملهن على ترك الصلاة. فأحس الشارع منهن هذا، فأوصاهن أن يصلين في ناحية من الخلوة، حتى لا يعلم أحد متى يصلين ومتى يتركن. ولكن هذا، على كل، وصية، لا حكم أو أمر مؤكد. ويجوز للنساء، ولا ريب، أن يصلين في جماعة في بيوتهن، وتصلي بهن امرأة منهن. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأم ورقة بنت عبد الله بن الحارث أن تصلي بالنساء (أبو داود) . وفي سنن الدارقطني والبيهقي أن عائشة رضي الله عنها صلت بالنساء وقامت في وسط الصف.

(2) باب ما جاء في خروج النساء إلى المساجد.

(3) رواه البخاري ومسلم.

(4) رواه أبو داود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت