فهذه الكلمات صريحة بأنه لا ريب أن الشارع لا يمنع النساء من المساجد، لأن حضور المساجد للصلاة ليس بأمر مريب، حتى يُحظر وينهى عنه. ولكن المصالح الاجتماعية لا تقتضي أيضًا أن يختلط الرجال والنساء في جماعات المساجد. لذلك رخّص الشارع للنساء في إتيان المساجد ولكنه لم يأمر الرجال أن يبعثوا نساءهم إلى المساجد أو يحملوهن معهم إليها. وإنما اكتفى ببيان أنهن إن آثرن لأنفسهن أدنى الدرجة من الصلاة، وهي التي يصلّينها في المسجد، على أفضل صلاتهن في ناحية البيت، فاستأذنّكم في الأمر، فلا تمنعوهن. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعرف جيدًا روح الشرع. ففهم حكمة الشارع في أقواله هذه جيد الفهم. فقد جاء في موطأ الإمام مالك أن كانت عاتكة بنت زيد زوج عمر بن الخطاب تنازعه دائمًا في هذا الأمر. كان عمر لا يحب لها أن تحضر المسجد ولكنها تصر عليه. فكان إذا استأذنته، يعمل بالأمر النبوي بدقة، فيسكت ولا ينبس ببنت شفة. كأني به يريد بهذا السكوت أن لن آذن لك إلى المسجد. فتقول عاتلة: والله لأخرجن، إلا أن تمنعني، أي تصرح بالمنع. ولكنه لا يمنعها [1] .
(1) وما كان هذا يخص زوج عمر بن الخطاب وحدها. بل كان كثير من النساء يحضرن المسجد للصلاة مع الجماعة. وأخرج أبو داود أنه ربما كان النساء صفان في المسجد. (باب ما ذكره من ذكر الرجل ما يكون من إصابته أهله) .