من مسائل التمدن البشري المعقدة وأعظمها خطورة وإعضالًا، مسألتان يتوقف على حلهما المستقيم المتزن رقي الإنسانية وسعادتها. وقد حار العلماء في إيجاد حل لهما منذ قديم الزمان، ولا يزالون حائرين في شأنهما إلى اليوم. أما المسألتان، فأولاهما صلة ما بين الرجل والمرأة وكيفية توطيدها في الحياة الاجتماعية، فإن هذه العلاقة أساس التمدن وملاك أمره، وإن اعوجّ هذا الأساس أو مال عن الاستقامة قليلا، فلا خير في بناء التمدن الذي ينهض على هذا الأساس المعوج. والمسألة الثانية تتعلق بما بين الفرد والجماعة من العلاقة. فإنه إذا حدث شيء يخل بالاتزان والتناسق المنشود فيما بينهما من الأواصر والصلات، بقيت الإنسانية تتجرّع مرارته وتذوق وباله قرونًا متعاقبة.
ففي جانب هاتان المسألتان وخطورتهما، وفي جانب آخر إنهما قد بلغتا من التعقد والإعضال أن لا يقدر على حلهما إلا من أوتي نظرة ثاقبة في حقائق الفطرة البشرية بأسرها، محيطة بجوانبها. ولقد صدق من قال: إن الإنسان عالم أصغر في حد ذاته فهذه بنيته وهيئة نفسه وقواه ومواهبه ورغباته وحاجاته، وكذلك عواطفه ومشاعره وعلاقته بما وراء شخصه من ألوف الأدوات والأشياء وتأثيره فيها وتأثّره بها ... هذه كلها تحتضن عالمًا بنفسه لا تنتهي عجائبه ولا يُدرك كنهه بسهولة. فلا يمكن أحدًا أن يدرك حقيقة الإنسان ويعرف سره إلا إذا تبيّن وتوضح أمام عينيه كل جانب من هذا العالَم الأصغر. ومن الظاهر البين أنه لا يمكن إيجاد حل أو حلول لمسائل الحياة البشرية الأساسية إلا بعد أن يُدرك كنه الإنسان وتُعرف حقيقته معرفة تامة.
وهذه هي المعضلة التي ما زالت ولا تزال تكل عنها جهود العقل والحكمة كلها وتُظهر عجزها عن استجلاء وجه الحقيقة منها. وذلك أن الإنسان لم يدرك بعد حقائق العالم كلها، ولم يبلغ علم من العلوم الشرية غايته من النضج والكمال حتى يصح القول بأنه قد أحاط بجميع الحقائق التي تتعلّق بموضوعه وتنتمي إليه. زد على ذلك أن الحقائق التي قد ظهرت وبرزت للعين. تبلغ من الدقة والسعة والعمق أن لا يمكن أن يحيط بها بشر، بل طائفة من البشر في آن واحد. فإن لاح منها جانب، بقي الجانب الآخر مختفيًا عن الأنظار، فتارة لا تكاد العين المبصرة تنفذ إلى أعماقها وطورًا تصبح الميول الشخصية حجابًا دون إدراك الحقيقة. ولهذا العجز المضاعف تخفق جميع الحيل والتدابير التي يختارها الإنسان نفسه لحل هاتيك المسائل في حياته، وتُظهر التجارب نقصها في آخر الأمر. والحل الصحيح لا يمكن إيجاده إلا بعد ما يدرك المرء نقطة الاعتدال التي تستقيم بها الأمور. ونقطة الاعتدال هذه لا يمكن إدراكها إلا بعد أن تكون جميع نواحي الحقائق المعلومة على الأقل -إن لم نقل الحقائق كلها- معروضة على الأنظار. مرتبة على نسق واحدة. ولكن قل لي بالله، من أين لك هذه النقطة الوسط إذا كانت سعة الآفاق والمناظر في درجة لا تقدر أن تحيط بها الأبصار البشرية، ثم إذا كان لرغبات النفس ونوازعها وعواطفها وميولها من التأثير البالغ في تفكير الإنسان ما يصرف بصره عن الحقائق الماثلة للعيان؟ إن كل حل يوجد في مثل هذه الحال لا بد أن يتسم بإفراط أو تفريط.