ففي جانب اشتدت علينا وطأة الاستعمار وضغطه واضطهاده إلى هذا الحد، وفي الجانب الآخر كان، ولا يزال، 99% -إن لم نقل أكثر- من أفرادنا على جهل تام باللغة التي بها نزل القرآن والسنة، وما لديهم من وسيلة للارتواء من منهلهما الصافي بصفة مباشرة، حتى أن الذين يمكن القول عنهم أن لهم نظرة في علوم القرآن والسنة، لا يتمكنون من قراءة القرآن بلغته وفهم أحكام الرسول صلى الله عليه وسلم بألفاظه إلا بعد أن ينفقوا جزءًا غير يسير من سني حياتهم في تعلم اللغة العربية. ولكن بالرغم من هاتين الظاهرتين فإن حضارة أهل الغرب ومدنيتهم لم تتغلغل في بلادنا ولم تؤثر في حياتنا مثل ما قد تغلغلت في بلاد العرب وأثرت في حياتهم في مدة لا تكاد تذكر بالنسبة لامتداد وطأة الاستعمار علينا، وخاصة أن النساء في بلدنا، وإن كنا دائمًا نسكب الدموع على انجرافهن في تيار الحضارة الغربية، فإنهن على جملة علاتهن ومساوئهن يربأن بأنفسهن أن يرتدين الملابس الإفرنجية حتى أن اللاتي يرتدينها منهن من الممكن أن نعدهن على الأنامل، وقلما توجد واحدة من ألف امرأة تتبرج في الطرق والأسواق وتتعرض للرجال وجسدها مكشوف فوق كعبيها أو يداها مكشوفتان إلى منكبيها، وإني والله كثيرًا ما أسائل نفسي أن إخواننا العرب الذين قد شرفهم الله تعالى ببعثة رسوله فيهم ومنهم، والذين لغتهم لغة القرآن والسنة، والذين لا يعوقهم شيء عن معرفة أحكام الله ورسوله في كل شأن من شؤون حياتهم إذا شاؤوا، ماذا عساهم يؤولون به رواج الملابس الافرنجية البحتة في نسائهم وتدرجهن في الأسواق والأندية والمجامع، بل وسواحل البحار ومسابح الملاهي كاسيات كعاريات؟ نعم، إني لا أنكر ما بين العلماء من الخلاف حول جواز كشف المرأة وجهها لغير محارمها ولا ألزم غيري أن لا يرى في هذه المسألة غير رأيي ولكن ... يا ليت شعري ما هو الدليل على جواز كشف المرأة ساقيها إلى الركبتين ويديها إلى المنكبين وجزءًا عظيما من صدرها وظهرها وخاصرتها ثم تجوالها -هكذا- في الطرق والأسواق تتعرض للرجال وتغشى الأندية والمجامع المختلطة وتبرز مفاتنها في كل واد بكامل زينتها؟ وأما إن كنت الحقيقة أن لا دليل على جواز كل ذلك ولا تأويل له، فقل لي بالله أليس هو بخروج سافر على الشريعة الإلهية واستهزاء علني بأحكامه يُرتكب اليوم في بلاد العرب -أسرة النبي وقبيلته- على مرأى ومسمع من علمائهم وكتابهم وقادة الرأي والفكر منهم! ولا أدري -والله- ماذا يتوقع القوم أن يبرئوا به ذمتهم في محكمة الله العليم الخبير يوم القيامة؟
والله نسأل أن يتقبل منا هذه الجهود المتواضعة بقبول حسن ويجعل نياتنا وأعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أبو الأعلى المودودي