الصفحة 135 من 200

وقد جُعلت المرأة في هذا التنظيم ربة البيت. وإذا كان على زوجها كسب الأموال فعليها إنفاق تلك الأموال لتدبير شؤون المنزل"المرأة راعية على بيت زوجها وهي مسئولة" [1] . وقد وضع عنها جميع الواجبات التي تتعلق بخارج البيت. فلا تجب عليها -مثلًا- صلاة الجمعة [2] . ولا يجب عليها الجهاد، وإن كان يجوز لها أن تخرج لخدمة المجاهدين في ميدان الحرب، إذا اقتضت الضرورة، كما سنذكره فيما يأتي بشيء من التحقيق. وأيضًا لا يجب عليها تشييع الجنائز، بل هي قد نهيت عنه [3] ولم تفرض عليها صلاة الجماعة ولا حضور المساجد. ولئن كان قد رُخّص لها في حضور المساحد ببعض القيود، فإنه لم يُستحسن منها قط [4] . ثم لم يؤذن لها بالسفر إلا مع أحد محارمها [5] .

صفوة القول أن خروج المرأة من بيت لم يحمد في حال من الأحوال. وخير الهدي لها في الإسلام أن تلازم بيتها، كما تدل عليه آية:"وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ"دلالة واضحة [6] .

(1) البخاري: باب قوا أنفسكم وأهليكم نارا.

(2) انظر سنن أبي داود باب الجمعة للمملوك والمرأة.

(3) البخاري: باب اتباع النساء للجنائز.

(4) أبو داود: باب ما جاء في خروج النساء إلى المساجد.

(5) الترمذي: باب ما جاء في كراهية أن تسافر المرأة وحدها. وأبو داود: باب في المرأة تحج بغير محرم.

(6) قد ذهب بعض الناس إلى أن هذا الأمر خاص لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لابتداء الآية بخطاب: يا نساء النبي! ولكنا نسأل: أي وصية من الوصايا الواردة في هذه الآية مخصوصة بأمهات المؤمنين دون سائر النساء؟ فقد قيل فيها:"إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" (الأحزاب: 32 - 33) فتأمل كل هذه الوصايا والأوامر، وقل لي: أي أمر منها لا يتصل بعامة النساء المسلمات؟ وهل النساء المسلمات لا يجب عليهن أن يتقين؟ أو قد أبيح لهن أن يخضعن بالقول ويكلمن الرجال كلاما يغريهم ويشوقهم؟ أو يجوز لهن أن يتبرجن تبرج الجاهلية؟ ثم هل ينبغي لهن أن يتركن الصلاة والزكاة ويعرضن عن طاعة الله ورسوله؟ وهل يريد الله أن يتركهن في الرجس وإذا كانت كل هذه الأوامر والإرشادات عامة لجميع المسلمات، فما المبرر لتخصيص كلمة"وقرن في بيوتكن"وحدها بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

إن مصدر الفهم الخاطئ في الحقيقة هو مبتدأ الآية:"يا نساء النبي لستن كأحد من النساء". ولكن هذا الأسلوب لا يختلف -مثلًا- عن قولك لولد نجيب: يا بني لست كأحد من عامة الأولاد حتى تطوف في الشوارع وتأتي بما لا يليق من الحركات فعليك بالأدب واللياقة. فقولك هذا لا يعني أن سائر الأولاد يحمد فيهم طواف الشوارع وإتيان الحركات السيئة، ولا يطلب منهم الأدب واللياقة. بل المراد بمثل قولك هذا تحديد معيار لمحاسن الأخلاق وفضائلها، لكي يصبو إليها كل ولد يريد أن يعيش كنجباء الأولاد، فيسعى في بلوغه، وقد اختار القرآن هذه الطريقة لتوجيه النساء لأن نساء العرب في الجاهلية كن على مثل الحرية التي توجد في نساء الغرب في هذا الزمان وكان العمل جاريًا على تعويدهن الحضارة الإسلامية بشيء من التدريج، وتعليمهن حدود الأخلاق وقيود الضابط الاجتماعي على يد النبي صلى الله عليه وسلم. ففي تلك الأحوال عني الإسلام بضبط حياة أمهات المؤمنين بضابطة على وجه خاص، حتى يكن أسوة لسائر النساء وتتبع طرقتهن وعاداتهن في بيوت عامة المسلمين.

هذا الرأي نفسه قد أبداه العلامة أبو بكر الجصاص في كتابه"أحكام القرآن"فيكتب:"وهذا الحكم وإن نزل خاصًا في النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه، فالمعنى عام فيه وفي غيره. إذ كنا مأمورين باتباعه والاقتداء به، إلا ما خصه الله به دون أمته" (الجزء الثالث: الصفحة 455) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت