بين يدينا الآن المسألة الأولى من المسألتين اللتين تقدم ذكرهما، وهي وحدها مناط بحثنا في هذا الكتاب فإذا راجعنا بطون التاريخ الغابر واستنطقنا صفحاته بهذا الشأن، وجدنا الأمر في غاية من العجب .. رأينا سلسلة من الإفراد والتفريط جارية في جميع أدوار التاريخ وبين الأمم كلها. ففي جانب نرى أن المرأة التي تلد الرجل وترضعه وتربيه وهي أم؛ وتكون شريكته في الحياة تشاطره البؤس والرخاء وهي زوج؛ قد اتخذوها خادمًا بل أمَة، تباع وتشترى محرومة من جميع حقوق الإرث والملك، وزعموا أنها مجموعة من الذل والإثم. فلا يدَعون لشخصيتها ومواهبها فرصة للنمو والارتقاء. وفي جانب آخر نرى أن تلك المرأة نفسها قد عظّموها تعظيمًا وأكبروا من شأنها إكبارًا تتبعه موجة عنيفة من فوضى الأخلاق وانحطاط الآداب، فيتخذها الرجال مطيّة لأهوائهم ويجعلون منه حبالة الشيطان في واقع الأمر. وهنالك تأخذ الإنسانية في التردي والهبوط كلما تدرجت المرأة في الترقي والظهور في هذه الجهة.
وهذان الطرفان المتناقضان لا نسميهما بطرفي الإفراط والتفريط في لغة النظريات فحسب، بل إن التجارب إذا جمعت لنا نتائجها الوخيمة وعرضتها مجتمعة على أنظارنا، فإننا نسمي أحد الطرفين بالإفراط والآخر بالتفريط في لغة الأخلاق أيضًا. والسياق التاريخي الذي قد أشرنا إليه آنفًا يدلنا كذلك على أن أمة من الأمم حينما تخرج من ظلمات الجهل والهمجية وتتقدم إلى ميدان المدنية والحضارة، ترافق رجالها نساؤهم كالخدم والإماء، ولا يعوقها ذلك عن الرقي والتقدم في حلبة التمدن في أول الأمر، لما فيها من قوى البداوة الفطرية الفعالة. ولكنها تشعر بعد أن تقطع مرحلة من مراحل الرقي المدني أنها لا يمكنها التقدم إلى الأمام وشطر كامل من كيانها في مثل هذا الانحطاط والتقهقر. فتشعر بعقبة في سبيل رقيها المدني وتحس بمسيس الحاجة إلى إعداد هذا الشطر الثاني من بنيتها لمسايرة شطرها الفعال في ركب الحضارة، والنهوض بأعباء التمدن. ولكنها إذا أرادت أن تتدارك ما فاتها من العناية بتهذيب المرأة وتثقيفها، لا تقف عند حد، بل تمضي في هذه الجهة تتقدم وتتخطى كل الحدود، حتى تنجرّ حرية المرأة إلى انهيار نظام الأسرة -الذي هو أساس التمدن- وينفجر بركان من الفحشاء والفجور، لاختلاط الرجال بالنساء وتكاد الخلاعة والاستهتار يأتيان بنيان الأمة الخلقي من القواعد. ولا جرم أن يتبع هذا التدهور الخلقي الانحطاط والتقهقر في القوى الجسدية والمواهب الفكرية والمادية. والأمة إذا وصلت إلى مثل هذا الانحطاط في نواحي الحياة كلها، فمصيرها إلى الهلاك والانقراض لا محالة.
ومن دواعي الأسف أن المقام لا يتسع لضرب الأمثلة الكافية من مجريات التاريخ، إلا أنه لا بد من عرض بضعة أمثلة لإيضاح المسألة وشرحها.