الصفحة 5 من 200

أرقى الأمم القديمة حضارة وأزهرها تمدنًا في التاريخ هم أهل اليونان. وفي عصرهم البدائي كانت المرأة في غاية من الانحطاط وسوء الحال من حيث نظرية الأخلاق والحقوق القانونية والسلوك الاجتماعي جميعًا. فلم تكن لها في مجتمعهم منزلة أو مقام كريم. وكانت الأساطير ( mytology) اليونانية قد اتخذت امرأة خيالية تسمى"باندورا" ( Pandora) ينبوع جميع آلالام الإنسان ومصائبه، كما جعلت الأساطير اليهودية حواء: العين التي تنشق منها جداول الآلام والشدائد. وغير خاف على أحد ما كان لهذه الأسطورة اليهودية الشنيعة عن حواء من تأثير عظيم في سلوك الأمم اليهودية والمسيحية قبل المرأة، وما كان لها من مفعول قوي في حقوق القانون والأخلاق والاجتماع عند هؤلاء الشعوب وكذلك أو دونه بقليل كان تأثير الأسطورة اليونانية عن (باندورا) في عقولهم وأذهانهم. فلم تكن المرأة عندهم إلا خلقًا من الدرك الأسفل، في غاية من المهانة والذل في كل جانب من جوانب الحياة الاجتماعية. وأما منازل العز والكرامة في المجتمع، فكانت كلها مختصة بالرجل.

وبقي هذا السلوك قبل المرأة في أول عهدهم بالنهضة المدنية ثابتًا على حاله، ربما تخللته تعديلات قليلة. فإنه كان من تأثير ذيوع العلم وانتشار أنوار الحضارة أن ارتفعت مكانة المرأة في المجتمع وأصبحت أحسن حالًا وأرفع منزلة من ذي قبل، وإن بقيت منزلتها القانونية على حالها لم تتبدّل. فهي أصبحت ربة البيت، منحصرة واجباتها في حدوده، وأصبح لها في داخله سلطة ونفوذ تام. وكان عفافها وتصوّنها من أغلى وأنفس ما يُملَك، ومما ينظر إليه بعين التقدير والتعظيم. وأيضًا كان الحجاب شائعًا في البيوتات العالية. فكانوا يبنون بيوتهم على قسمين: قسم للنساء وآخر للرجال. وما كان نسوتهم يشاركن في المجالس والأندية المختلطة ولا يبرزن في الأماكن العامة. وكان يُعد زواج المرأة وملازمتها لزوجها دون غيره من أماراة النجابة والشرف. ولأمثالها كانت الحرمة والمنزلة في المجتمع. وبالعكس من ذلك كانوا ينظرون إلى حياة العهر والدعارة نظرة كره وازدراء .. هذا في عصر كانت الأمة اليونانية فيه في إبان مجدها وعنفوان شبابها وقوتها، وكانت تنمو صعدًا إلى الرقي والكمال. ولا ريب أنه كانت توجد عندهم مفاسد خلقية في ذلك العصر إلا أنها كانت منحصرة في نطاق محدود. وذلك أن الرجال لم يكونوا يطالَبون بمُثُل من العفاف وطهارة الأخلاق وزكاء السجيّة كانت تطالَب بها المرأة وتؤاخذ عليها، بل كانوا يُستثنون من التخلق بتلك الأخلاق الحسنة، ولم يكن من المتوقع منهم أن يعيشوا عيشة ذوي العفاف والحشمة. ومن أجل ذلك كانت المومسات جزءًا من صميم المجتمع اليوناني لا ينفك عنه أبدًا، ولا يُعاب المرء إذا عاشرهن وخادنهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت