ثم جعلت الشهوات النفسية تتغلب على أهل اليونان ويجرف بهم تيار الغرائز البهيمية والأهواء الجامحة، فتبوأت العاهرات والمومسات مكانة عالية في المجتمع لا نظير لها في تاريخ البشرية كله، وأصبحت بيوت العاهرات مركزًا يؤمه سائر طبقات المجتمع، ومرجعًا يلجأ إليه الأدباء والشعراء والفلاسفة. فكانت شموسًا في سماء العلم والأدب يدور حولها كواكب الفلسفة والأدب والشعر والتاريخ وما عداها من الفنون ... بل أصبحن القطب الذي تدور حوله رحى الأمة اليونانية فما كن يرأسن أندية العلم ومجالس الأدب فحسب بل كانت المشاكل السياسية أيضًا تُحلُّ عقدها وتُفكّ معضلاتها بحضرتهن وتحت إشرافهن. وقد بلغ بهم التعسف في هذا الشأن أن كانوا يرجعون في المسائل الرئيسية التي تعلو بها أمة وتسفل وتحيى لها وتموت، إلى المرأة التي ربما لا ترضى أن تعاشر رجلًا بعينه أكثر من ليلة أو ليلتين. ثم زاد أهل اليونان حبهم للجمال وتذوّقهم المفرط له تماديًا في الغيّ وارتطامًا في حمأة الرذائل، وأضرم في قلوبهم نارًا للشهوات لا تخمد فالتماثيل -نماذج الفن العارية- التي كانوا يُظهرون بها وبالافتتان في صنعها وإتقانها ذوقهم هذا، كانت هي التي تحرك فيهم الشهوات دومًا وتمد في غرائزهم البهيمية. ولا يخطر لهم ببال أن الاستسلام للشهوات شيء ذميم في قانون الأخلاق والاندفاع وراؤء تيار الأهواء عار وهجنة. وتبدّلت مقاييس الأخلاق عندهم إلى حد جعل كبار فلاسفتهم وعلماء الأخلاق عندهم لا يرون في الزنى وارتكاب الفحشاء غضاضة يُلام عليها المرء ويعاب. وصبح عامتهم ينظرون إلى عقد الزواج نظرة من لا يهتم به ولا يرى إليه من حاجة. قلما يرون بأسًا بأن يعاشر الرجل والمرأة ويخادنها علنًا من غير عقد ولا نكاح فكانت النتيجة أن خضعت لأخلاقهم وغرائزهم الشهوانية هذه ديانتهم أيضًا، وانتشرت فيهم عبادة افروديت ( Aphrodite) التي كان من قصتها عندهم في الأساطير ( Mythology) أنها خادنت ثلاثة آلهة مع كونها زوجة إله خاص. وأيضًا كان من أخدانها رجل من عامة البشر علاوة على تلك الآلهة. ومن بطننها تولّد كيوبيد ( Kupid) إله الحب، نتيجة اتصالها بذلك الخدن البشري. وما رأيك في أخلاق أمة وانحطاطها المعنوي والخلقي اتخذت من هذه الطباع ( Character) رمزًا للكمال بل إلهًا يعبد ويقدم له جميع آداب العبودية والذل والخنوع؟ هذه، ولا ريب، درجة من الانحطاط الخلقي إذا تردت فيها أمة، لم تتمكن من النهوض مرة أخرى. وفي مثل هذا العصر البالغ من الانحطاط أسفله ظهرت في الهند (بام مارك) وفي إيران (المزدكية) . وأيضًا في مثل هذا العصر نفسه أصبحت الفحشاء والدعارة يُنظر إليهما بعين التقديس والإجلال في (بابل) فلم تمض على ذلك عشية أو ضحاها حتى آل أمرها إلى الانقراض، وأصبح أمرها من خبر كان وأمس الدابر. ولما انتشرت عبادة افروديت في اليونان، أصبحت مواخير الدعاة وأماكن الفجور مركزًا للعبادة وأصبحت المومسات متنكسات وخوادم للمعابد. وعظم شأن الزنى إلى أن ألبسوه كساءًا من العمل الديني المبرور.