إنك إن أنعمت النظر في أحكام الحجاب هذه، تبين لك أن الحجاب الإسلامي ليس بشيء من باب التقاليد الجاهلية بل هو قانون عقلي منطقي. إذ أن التقليد الجاهلي يكون جامدًا لا مرونة فيه أبدًا. وأيما طريقة راجت فيه وبأي صورة راجت، فلا يمكن قط أن تعدّل أو تبدّل. وكل ما قضي فيه بالإخفاء، فإنه يخفى ويستر في كل زمان، وعلى كل حال، وإن كان دونه هلاك الأنفس وضياع الأعراض. وأما القانون العقلي، فيكون -على عكس ذلك- لدنًا مرنًا، يميل مع الضرورات الحقيقية، ويتسع لكل من التشديد والتخفيف حسب مقتضى الأحوال. وتترك في قواعده العامة صور استثنائية لكل الأوضاع والمناسبات فلا يتبع هذا القانون اتباعًا أعمى. بل يجب لاتباعه الفهم والتمييز. ويكون للمتبع العاقل الفهيم أن يقضي بنفسه: في أي الأحوال يجب أن يعمل بالقاعدة العامة، وفي أيها تمسّه (الحاجة الحقيقية) من وجهة نظر القانون، فيتمتّع فيها برخصة الحكم الاستثنائي؟ ثم يكون له بنفسه أن يحكم إلى أي حد ينبغي أن يتمتع بالرخصة وفي أي المناسبات؟ وكيف يراعي مقصد القانون الرئيسي في أثناء تمتعه بالرخصة؟ كل هذه الأمور لا يفتي فيها بالأمر بالحق إلا قلب المؤمن الصادق النية والإيمان. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"استفت قلبك ودع ما حاك في صدرك". ومن هذا كله لا يمكن أن يتبع الإسلام اتباعًا صحيحًا بالجهالة وعدم الشعور. وإنما هو قانون عقلي يستلزم اتباعه الفهم والفطنة والشعور عند كل خطوة من خطوات العمل.