والثالث أنه مما لا شك فيه أن للفعل نوعًا من الفضيلة على القبول والانفعال. ولكن ليس من معاني هذه الفضيلة أن يكون مع الفعل العزّ ومع الانفعال الذُلّ. وإنما هذه الفضيلة من حيث القوة والغلبة والتأثير. فأيما شيء يفعل فعلًا في شيء آخر، فإنما يفعله لكونه غالبًا عليه وأقوى منه ولأن له قوة على التأثير فيه. والشيء الذي يقبل فعله وينفعل به، فما علة قبوله وانفعاله إلا كونه مغلوبًا وضعيفًا ومستعدًا للتأثر به. وكما أن حصول الفعل يستلزم وجود الفاعل والمنفعل على السواء كذلك من اللازم أن يكون الفاعل متصفًا بالغلبة وقوة التأثير والمنفعل بالمغلوبية والقابلية للتأثر. ذلك أنه إن كان كلاهما يساوي الآخر قوة، ولم تكن لأحدهما على الآخر غلبة، لم يتأثر أحدهما بالآخر وانتفى حصول الفعل. فالثوب، إن كان فيه من الصلابة والقوة ما في الإبرة، لم يكن فعل الخياطة؛ والأرض، إن لم يكن فيها من اللين والدماثة ما تقبل به فعل الرفش والمحراث فيها، لم تمكن الزراعة والبناء. ومحصل القول أن كل ما يقع في هذه الدنيا من الأفعال، لا يمكن أن تم أحد منها لو لم يكن إزاء كل فاعل منفعل، ولو لم تكن في المنفعل قابلية للتأثر بفعل الفاعل. لذلك من مقتضى الطبيعة في الزوج الفاعل -من الزوجين- أن تكون فيه الغلبة والشدة والتحكم، ممايعبر عنه بالذكورة والرجولية، لأنه لا بد له منه لأجل القيام بوظيفته من حيث هو اداة فاعلة. وعلى العكس من ذلك، من مقتضى الطبع الانفعالي في الزوج المنفعل أن يكون فيه اللين والرقة والنعومة والتأثر، مما يقال له الأنوثة والطبع النسوي، وذلك لأن هذه الصفات هي التي تمكنه من النجاح في الجانب الانفعالي من الزوجية. فالذين لا يعرفون هذا السر هم فريقان اثنان، فريق يحسب فضيلة الفاعل الذاتية بمثابة العز والكرامة، فيعد المنفعل في ذاته ذليلًا ممتهنًا، وآخر ينكر بالمرة تلك الفضيلة المخصوصة بالفاعل، فيريد أن يحدث في المنفعل أيضًا تلك الصفات التي يجب أن تكون في الفاعل ولكن الصانع الحكيم الذي قد صنع الجزأين، ينصبهما في ماكنته على نحو يضمن لهما المساواة في الكرامة والعز وفي العناية والتربية، ويضمن لهما مع ذلك أن تنشأ فيهما صفتا الغالبية والمغلوبية اللتان يقتضيهما الطبع الفاعل والمنفعل في الزوجين، لتتحقق غاية المزاوجة بينهما، لا أن يكونا كحجرين متساويين في الشدة والصلابة، قد يحتك أحدهما بالآخر، ولكن لا يملك أن يحصل بينهما امتزاج، ويحدث بامتزاجهما تركيب.
هذه هي المبادئ التي تستخدم من مفهوم الزوجية الابتدائي وإن مجرّد كون الرجل والمرأة زوجين باعتبارهما وجودًا ماديًا، يقتضي أن تُراعى هذه المبادئ فيما بينهما من الصلات. وستعلم فيما يأتي أن القانون الاجتماعي الذي قد وضعه فاطر السماوات والأرض، قد رُوعيت فيه هذه المبادئ الثلاثة مراعاة كاملة.