المستغربون [1] من أهل الشرق
فأصحاب الطبقة الأولى قد آمنوا، على علم وبصيرة، بتلك الفلسفة والنظريات، وتلك المبادئ العمرانية التي قد بُنيت عليها حضارة الغرب ومدنّيته. فهم يفكّرون في شؤون الحياة بفكر الغرب، وينظرون إليها بتلك الأنظار التي نظر إليها بها مؤسسو النهضة الأوربية الجديدة، ويودون أن يبنوا الحياة المدنية في دولهم أيضًا على الطراز الغربي. فالغاية القصوى عندهم من تعليم المرأة، هي أن تستأهل لكسب الرزق، وتكون مع ذلك بهجة المجالس، بارعة في فنون التسلية والإمتاع. ومنزلتها الصحيحة عندهم في العائلة، هي أن تكون -كالرجال- عضوًا من أعضائها الكاسبين، تُوفّى ميزانية الأسرة المشتركة ما في دمّتها من الدخل. ومقامها الحقيقي عندهم في المجتمع، هو أن تضيف إلى الحياة الاجتماعية عنصرًا لطيفًا من زينتها وجمالها ودلالها، فتدفئ القلوب بكلامها العذب، وتشنف الآذان بغنائها الساحر وتنشّط الأرواح برقصها المغري وتعرض كل مفاتن جسمها على الرجال بترجرجها واضطرابها، لكي تتمتّع به نفوسهم وتلتذّ أبصارهم، ويسري في دمائهم الباردة شيء من الحرارة. وكذلك إن وظيفة المرأة في الحياة الوطنية لا تعدو في رأيهم، أن تتولى الخدمة الاجتماعية، فتعمل في المجالس والبلديات، وتحضر الحفلات والمؤتمرات. وتبذل عقلها ووقتها في فض المشاكل السياسية والمدنية والاجتماعية، وتساهم في كل نوع من الألعاب والرياضات، حتى تضرب الرقم القياسي في السباحة والعَدْو والقفز والطيران البعيد ... وبكلمة أخرى تُعنى بكل ما يتّصل بخارج البيت ولا تبالي ما يتصل بداخله. فهذه هي الحياة المثلى في نظرهم، وهذا هو الطريق المؤدي إلى الرقي الدنيوي عندهم وكل ما يعترضه ويحول دونه من النظريات الخلقية البالية، فهو عبث وباطل محض. ولأجل هذه الحياة المتجدّدة قد استبدلوا القيم الخلقية ( Moral Values) الجديدة بالقيم العتيقة المتوارثة على نحو ما فعلته أوربة. فالمنافع المادية واللذات الجسدية أحظى وأرجح عندهم من كل شيء. بل هي وحدها ذات قيمة وقدر حقيقي. وأما ما إزاءها من الحياة والعفة وطهارة الأخلاق، ووفاء الحياة الزوجية، وحفظ النسب؛ وما هو من قبيلها من الأمور، فكل ذلك شيء رد لا قيمة له. بل هو من أباطيل الفكر المظلم والنزعة الرجعية التي لا يمكن التقدم إلى الإمام بدون القضاء عليها.
هؤلاء -كما رأيت- مؤمنون حقًا بالدين الغربي، فلا يزالون يجتهدون لنشر تلك النظريات التي قد آمنوا بها، في هذه البلاد الشرقية، بكل تلك الطرق والتدابير التي قد اتخذها الغرب لذلك فيما مضى!
(1) المستغربون: المائلون إلى الغرب المفتتنون بحضارته. هكذا استعمل هذه الكلمة الكاتب الكبير العلامة محمد البشير الإبراهيمي في بعض مقالاته في مجلة (البصائر) ، فاخترناها على غيرها من الكلمات في هذا المعنى كالمتغربين والمتفرنجيين. (المعرب) .