فتناول -قبل كل شيء- أدبهم الذي هو بلا ريب أكبر عامل في تربية العقول، تر القوم لا يزالون يحاولون في هذا الذي يسمونه (الأدب) -وهو أبعد شيء عن الفضائل والآداب- أن يزينوا للنشء الجديد هذه الفلسفة الخلقية الجديدة، وينتزعوا من نفوسهم وأذهانهم كل أثر للأقذار الخلقية القديمة. وها نحن نعرض فيما يلي نماذج من هذا الأدب الأرديّ الجديد:
قد ظهر في مجلة شهرية هندية، ذات مكان مرموق في الأدب، مقال عنوانه (الآنسة شيري في الدرس) ، وكاتبه فاضل من أهل الثقافة العليا والذكر النابه في الأوساط الأدبية، ويشغل منصبًا أعلى من مناصب الحكومة. مُحصّل هذا المقال أن بنتًا من بنات الأسر الشريفة تجلس أمام أستاذها للدرس، وفي أثنائه تُقدّم إلى أستاذها رسالة حب قد جاءتها من صديق شاب، للقراءة والمشورة. والصديق قد كانت صادفته في حفلة شاي، حيث عرّفت أحدهما بالآخر آنسة أوروبية، ومن يومئذ جرى بينهما اللقاء والاجتماع والمراسلة، حتى وقع في نفس الفتاة اليوم أن تتعلّم من أستاذها كتابة الأجوبة لرسائل صديقها الغرامية حسب مقتضى الآداب. فالأستاذ يحاول أن يشغل تلميذته عن تلك السفاسف بالقراءة والدرس، ولكن الفتاة تقول:
"التعليم لا ريب أطلبه وأتوخاه. ولكنه التعليم الذي يساعد على الظفر بأماني النفس التي أحلم بها في يقظتي، لا الذي يجعل مني في هذه السن الباكر عجوزًا خامدة الشعور".
فيسأل الأستاذ:"هل لك أصدقاء غير هذا الصديق الذي ذكرت؟"فتجيب الفاضلة:"نعم لي أصدقاء متعددون ولكن ميزة هذا الشاب على غيره جميعًا أنه يحسن الزجر".
-أرأيت إن اطّلع أبوك على هذه المراسلة بينك وبينه!
-وهل ترى أبي لم يكتب مثل هذه الرسائل في شبابه قط. لا يا سيدي! إنه رجل ذو حظ لا بأس به من الثقافة الجديدة وما أدراك، لعله لا يزال يكتبها حتى هذه الآونة، فإنه لم يدخل في الشيخوخة بعد، بفضل الله.
-أما قبل خمسين سنة من هذا العصر، فما كان يخطر ببال أحد أن يكتب إلى آنسة شريفة كتابًا في الغرام.
-وهل كان الناس لا يحبون إلا الرذلات السافلات في تلك الأيام، إذًا ما كان أطيب عيش الرُذّال في تلك الأيام، وما أخبث عيش الأشراف!
وآخر كلمات شيري التي هي مقطع القصيد وقد بلغ فيها الكاتب نهايته من التفلسف الأدبي هي:"نحن -معشر الشباب- نواجه اليوم تبعة مضاعفة، هي أن نحيي -بجانب- تلك المُتع واللذات التي قد ضيعها أسلافنا، ونقضي -بجانب آخر- على خصال الكذب والغضب التي قد أحيوها وخلّفوها".
وفي مجلة أدبية أخرى ذائعة الصيت، نُشرت قصة موجزة بعنوان (الندامة) ، قبل سنة ونصف، خلاصتها في كلمات موجزة أن عذراء من بيت كريم تعاشق رجلا، وتدعوه إلى بيتها في غيبة أبيها وفي خفية من أمها، فيتلوثان بالفحشاء، فتحمل، ثم تجلس بعد ذلك يومًا تناجي نفسها وتحتج لتبرير فعلتها الدنسة بالكلمات الآتية:
"لمّ بي هذا الاضطراب؟ وممّ يخفق قلبي؟ هل يلومني ضميري؟ وهل أنا نادمة على ما وقع مني؟ لعله كذلك! ولكن ما حيلتي بعد، وحديث تلك الليلة المقمرة قد كُتب في صحيفة حياتي بماء الذهب، وذكرى تلك الساعات السابحة في نشوة الشباب هي أعز ما قد ادخرته في حياتي؟ الست مستعدة لبذل كل ما أملك لاسترداد تلك الساعات العِذاب؟"
"وممّ إذًا خفقان قلبي! أمن خشية إثم ركبته؟ وهل ارتكبت إثمًا؟ هيهات هيهات! فمن الذي أذنبت إليه؟ ومن آذيته بذنبي؟ وإنما أقدمت على بذل وتضحية. فبذلت أنفس ما عندي لذاك الحبيب ويا ليتني كنت أستطيع أن أبذل له أكثر منه! ولست أخاف الإثم. ولكني أخاف ... نعم أخاف هذا المجتمع السمج البغيض الذي يرمقني ويحدق إلي بنظرات فيها الشك والريبة والاتهام"