إن أول ما أمر به الرجال والنساء في هذا الباب هو الغض من أبصارهم. وتترجم كلمة غض البصر إلى لغتنا الأردية عامة بمعاني خفض البصر وعدم رفعه من الأرض. ولكن ليس هذا مقصود الأمر الرباني بهذه الكلمة. بل المقصود اجتناب ما قد عُبّر عنه في الحديث بزنى النظر. فالتلذّذ برؤية جمال الأجنبيات وزينتهن هو مبعث الفتنة للرجال، كما أن الطموح بالبصر إلى الأجانب من الرجال هو مصدر الفتنة للنساء. من هنا يصدر الفساد طبعًا وعادة، ولذلك قد سُدّ بابه أول ما سُدّ من الأبواب، وهذا هو المراد بغض النظر.
على أنه ظاهر أنه ما دام الإنسان فاتحًا عينيه في هذه الدنيا، فلا بد أن يقع بصره على كل ما حوله من الأشياء والأشخاص. وليس في الإمكان أن لا يرى الرجل امرأة أبدًا، ولا ترى المرأة رجلًا بحال. فقول الشارع عليه السلام في مثل هذا النظر: أنه إن وقع فجأة، فلا إثم فيه. وإنما المحظور أن يعيد المرء نظره إلى حيث يستأنس الزينة والجمال ويجعله مرمى عينيه. عن جرير قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة، فقال:"اصرف بصرك" [1] . وعن بريدة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي:"يا عليّ! لا تُتبع النظرة النظرة. فإن لك الأولى وليس لك الآخرة" [2] . وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من نظر إلى محاسن امرأة أجنبية عن شهوة صُبّ في عينيه الآنك [3] يوم القيامة" [4] .
على أنه قد يكون هناك من الأحايين ما يستدعي النظر إلى امرأة أجنبية. كأن ينظر الطبيب إلى مريضة، أو ينظر القاضي إلى امرأة تحضر بين يديه شاهدة أو فريقًا في قضية، أو تحصر امرأة في حريق أو تقع في لجّة فتشرف على الغرق، أو يكون عرضُها أو نفسها عرضة للخطر. ففي كل هذه الحالات يجوز النظر إلى عورة المرأة فضلًا عن وجهها، ويجوز كذلك لمسها. بل إن احتضانها أيضاص -إذا كانت متعرضة للحرق أو الغرق- ليس من الجائز فحسب، بل هو واجب بالضرورة. ويأمر الشارع في هذه الأحوال أن يخلص المرء نيته من الفساد ما استطاع. ولكنه إن اختلجت في نفسه خالجة من الشهوة، لمقتضى الطبع البشري فيه، فلا جناح عليه فيه، لأن مثل هذا النظر وهذا اللمس إنما دعته الضرورة، وليس في مكنة الإنسان منع مقتضيات الفطرة بتة [5] .
(1) أبو داود -ما يؤمر به من غض البصر.
(2) نفس المصدر.
(3) الآنك: الرصاص المذاب.
(4) تكملة فتح القدير ج 8 ص97.
(5) راجع لتفصيل هذا الموضوع تفسير الرازي لآية"قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ"، وأحكام القرآن للجصاص في تفسير الآية المذكورة وتكملة فتح القدير -فصل في الوطء والنظر واللمس، والمبسوط- كتاب الاستحسان.