الصفحة 27 من 200

إن أساطين الفلسفة والأدب وأقطاب العلوم الطبيعية، الذين رفعوا لواء الإصلاح في القرن الثامن عشر، كانوا -كما سبق لنا الإشارة- يجابهون نظامًا للتمدن فيه أنواع من القيود والسدود. وفيه صلابة من غير مرونة، وعسر من غير يسر، طافحًا بالتقاليد النابية التي لا يقبلها الطبع، والضوابط الجامدة والطرق المناقضة للفطرة والعقل. وزاد طينه بلة انحطاط القوم المتواصل على طول القرون، فجعله عقبة كأداة في كل طريق للرقي. فبجانب كانت النهضة العلمية والعقلية الجديدة تبعث في نفوس الطبقة المتوسطة أشد الميل إلى التقدم والنبوغ بالعمل والاجتهاد الذاتي. وبجانب آخر كانت على رؤوسهم طبقة الأمراء والزعماء الدينيين تبالغ في شدهم بالأغلال التقليدية. فمن الكنيسة إلى الجندية والقضاء، ومن قصور الإمارة إلى المزارع ودور التجارة ... كل شعبة من شعب الحياة وكل مؤسسة للتنظيمات الاجتماعية كانت تجري على نظام يتيح لبعض الطبقات المخصوصة -بحجة امتيازاتها القديمة وحقوقها المتوارثة- أن تعسف وتجور على من لا ينتمي إليها من العاملين الناهضين، فتذهب بثمار أعمالهم وتستأثر بنتاج مواهبهم وكفاءاتهم، فكل محاولة يقوم بها القائمون لإصلاح تلك الحال كانت تخيب وتفشل بإزاء أثرة الطبقات المسيطرة وجهالتها. لهذه الأسباب كلها غدت الطبقات الناشدة للإصلاح تثور في نفوسهم مع الأيام ثائرة الانقلاب الجامحة، حتى غلبت عليهم وعمتهم آخر الأمر نزعات البغي والثورة على هذا النظام الاجتماعي بجميع شعبه وأجزائه. وراج بين الناس نظرية متطرفة في الحرية الشخصية ترمي إلى إعطاء الفرد الحرية التامة والإباحية المطلقة بإزاء المجتمع. فأصبحوا ينادون بأنه يجب أن يكون للفرد الحق المطلق في عمل ما يشاء والحرية الكاملة في ترك ما يشاء وليس للمجتمع أن ينتزع منه الحرية الشخصية. وأما الحكومة فواجبها أن تحافظ على هذه الحرية التي يتمتع بها الفرد في تصرفاته. وأما المؤسسات الاجتماعية فينبغي ألا تكون غايتها سوى إعانة الفرد على تحقيق مقاصده.

هذا التصور المغالي للحرية، الذي كان في الحقيقة نتيجة غضب وسخط على نظام اجتماعي قائم على الظلم والحيف، كان يحمل في مطاويه أسباب الفساد الأكبر. والذين تقدّموا بهذا التصور بادئ ذي بدء، ما كانوا بأنفسهم عارفين بنتائجه المنطقية. ولعل أرواحهم كانت تهتز من الذعر، لو تمثّلت أمام أعينهم تلك النتائج التي كانت ستؤول إليها من هذه الإباحية المطلقة والفردية العاتية الباغية ضربة لازب. إنما أراد أولئك أن يتخذوا هذا التصور المتطرف أداة لمنع تلك الشدائد الظالمة ولفك تلك القيود الثقيلة غير العادلة التي كانت توجد في مجتمعهم، ولكن تأصل هذا التصور آخر الأمر في الذهن الغربي وأصبح ينمو ويزكو ويؤتي أكله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت