من غرائب الاتفاق أنه قد واتت هذا الانقلاب الفكري، وهو في صدر شبابه، أسباب تمدنية أخرى. ففي هذا العصر قامت الثورة الصناعية الشهيرة. وأعقبتها تغيرات هامة في الحياة الاقتصادية، كان من آثارها المترتبة على الحياة التمدنية ما هو عون على تحويل وجهة سير الاجتماع إلى حيث تريد الآداب الانقلابية أن تحولها. وذلك أن تصور الحرية الشخصية، الذي نشأ عليه النظام الرأسمالي، جاءت الاختراعات الميكانيكية وإمكانات وفرة الإنتاج الصناعي Mass production تحكمه وتقويه. فأقامت الطبقات الرأسمالية مؤسسات صناعية وتجارية كبرى. وتحوّلت المراكز الجديدة للصناعة والتجارة إلى مدن عامرة أصبح ينجرّ إليها من القرى والأرياف أضعاف الملايين من النفوس. وغلت تكاليف الحياة غلاء فاحشًا. وارتفعت أسعار الحاجات للحياة، من المطعم والملبس والمسكن، إلى ما فوق طاقة العامّة. زد على ذلك أن أضيف إلى حاجات الحياة ما لا يحصى من وسائل المعيشة المتجددة، لأسباب راجع بعضها إلى ارتقاء التمدن وبعضها إلى مساعي أهل الثروة ولكن النظام الرأسمالي لم يوزّع الثروة بين الناس بما يكفل للجميع وسائل الحصول على تلك المتع واللذات وأدوات الزينة والزخرفة التي أدخلها في لوازم الحياة بل هو لم يهيء للعامة من وسائل المعاش ما يسدون به عوزهم بسهولة من حاجات الحياة الحقيقية -وهي السكنى والطعام واللباس- في تلك المدن التي قد زجّ بهم إليها. كان من نتائج ذلك أن أصبحت المرأة كلًا على زوجها، وأصبح الولد عبئًا على أبيه. وتعذّر على كل فرد أن يقيم أود نفسه، فضلا عن أن يعول غيره من المتعلقين به. وقضت الأحوال الاقتصادية أن يكون كل واحد من أفراد المجتمع عاملا مكتسبًا. فاضطرت جميع طبقات النساء -من الأبكار والأيامى والثيبات- أن يخرجن من بيوتهن لكسب الرزق رويدًا. ولما كثر بذلك اختلاط الصنفين واحتكاك الذكور والإناث، وأخذت تظهر عواقبه الطبيعية في المجتمع، تقدم هذا التصور للحرية الشخصية وهذه الفلسفة الجديدة للأخلاق، فهدّأا من قلق الآباء والبنات والإخوة والأخوات والبعولة والزوجات، وجعلا نفوسهم المضطربة تطمئن إلى أن الذي هو واقع أمام أعينهم، لا بأس به، فلا يوجد منه خيفة، إذ ليس ذلك هبوطًا وتردّيًا، بل هو نهضة وارتقاء ( Emancipation) ، وليس فسادًا خلقيًا، بل هو عين اللذة والمتعة التي يجيب أن يقتنيها المرء في حياته. وأن هذه الهاوية التي يدفع بهم إليها الرأسمالي، ليست بهاوية النار، بل هي جنة تجري من تحتها الأنهار.
أثرة الرأسماليين