فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 163

لقد ساومني عن حياةٍ ... كحياة ديوث لبيت غواني

لأخون عهدًا أو أبيعَ اُخوّةً لا كنت ساعتها وقُدَّ لساني

وخرجت منك لأن نفسي لم تطاوعني أن أرى سخرية الطواغيت بقلوب وعواطف أمهاتنا .. يجتمعن كل يوم أمام سجونهم لعلهن يحظين منهم برقة قلب فيسمحوا لهن برؤية أبنائهم ولو للحظة، ولكن يعدنَّ ولا جديد ولا بخبر عن الابن والحفيد .. أأحياء أم أموات ... فكيف يرقأ لهم دمعٌ ... أو يهنأ لهن بال .. بل كيف يجبن صغار أبنائهن حين يسألون أين أخي .. أين أبي؟

ولا تظني أني خرجت منك لأكون ممن يرضون إذا أعطوا ويسخطون إذا منعوا .. أبغي رفعةً أو منصبًا دنيويًا أعلو بنفسي كالدخان شيء ولا شيء ..

وما خرجت لأكون حجر عثرة في طريق العاملين بنفس شحيحة على الخير ولسان حديد .. ولكني خرجت لأكون لبنة قوية في نفسها خفيفة لينة في يد البنّاء .. فيحفر لها في الأرض ليجعلها أساسًا ثم يهيل عليها التراب إذا ما أرتفع البناء .. فبها يُقام الجدار ولا احد يشعر بوجودها ولا يُشار إليها ببنان .. تُنكر ذاتها تحقيقًا لعبوديتها لله فتغم بالغبار يغطيها .. أليس ربها يُخرج الحب في الأرض ويعلم ما تحت الثرى؟

فلذلك خرجت واسأل الله الثبات والتوفيق .. وسأكتب لك اليوم بمداد عزيز أعلم أنه سيكون بارقة أمل وسط ليلك البهيم .. ونهر حياة في أرضك القاحلة ونخلة باسقة في بستانك الهشيم.

إنني سأكتب لك بعرق أبنائك في أرض الهجرة الذين رفضوا حياة الذل واستجابوا لله رب العالمين .. إنه عرق أبنائك الذي سمعوا قوله تعالى {وأعدوا} فقالوا أتينا طائعين .. إنه عرق أبنائك الذين أرقهم ضياع الأمة وغربة الدين.

إنه عرق أبنائك الذين يصلون الليل بالنهار .. لأن حاديهم وعدٌ أُخروي .. وواجب دنيوي .. فأنى لهم الراحة وقد عاشوا غربة الإسلام؟

وسأكتب لك على رقعة نادرة، هي آثار أقدام أبنائك وهم يتسلقون الشوامخ ويقطعون الوديان .. وأنهم ليرون صنيعهم ذلك جهد مقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت