الصلاة والسلام المسلمين بعد معركة أحد يستسلمون لمرارة الهزيمة ويغرقون في بحر التلاوم والندم وإنما اندفع بهم إلى ساحة جديدة بأمره لهم بالتوجه إلى حمراء الاسد حيث انقلبت مشاعر الهزيمة والانكسار إلى مشاعر مندفعة للمبادأة بالقتال والمطاردة لمشركي قريش، ولم يكد يسمع مشركو قريش هذا الخبر حتى دب الذعر في نفوسهم وأعلنو الرحيل الذي هو في حقيقته هروب وخوف من المسلمين مع أنهم كانوا يريدون الهجوم على المدينة لاستئصال شأفة المسلمين. وقد قال تعالى مخبرًا عن هذا الموقف {الذين أستجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقو اجر عظيم * الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم * إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ... الآية} .
يقول أحد الكتاب: (ان الحسرة والتألم وتصعيد الزفرات ليست سوى وسيلة سلبية لا تجرح قوى الباطل بل لاتخدشها وهي لابأس بها لكنها تنقلب إلى أمر بالغ الخطورة إذا لم يعقبها عمل ايجابي مثمر، إذ تكون وسيلة لامتصاص النقمة على الأوضاع الفاسدة ومن ثَمَّ الركون إليها، وعلى أحسن الفروض استمرار هذه النقمة ولكن بشكل جامد لاحياة فيه يؤدي الى شلل الحركة وليس أفضل لقوى الباطل من هذا الوضع) اهـ.
إن الامة اليوم تريد من يأخذ بزمامها في وقت الشدة وزمن الغربة ويمضي بها نحو الغايات العظام .. إنها تريد رجالًا يحتملون الصعاب ويتأسون بخطا نبينا محمد عليه الصلاة والسلام واصحابه شبرًا بشبر وذراعًا بذراع .. إنها لن ترضي منهم جفلة الضبي وهم يخطون في طريق ذات اشواك ورصاص ودماء فالنصر لايأتي إلابدعوة تؤسس ابتداء على بذل، فمن شروط انتشار الدعوة أن تفقد بين الحين والاخر بعضًا من عناصرها وإلاًّ ما سرت في المجتمع وغيرت تياره، فدعوة التوحيد حين تلتحم بالجماهير سوف تمده دومًا بدماء جديدة، فالشهداء هم الذين يحركون ضمير الامة لتمدهم بطلائعها الخاصة، والقراءة الجادة لحركة التاريخ تؤكد أن انتصار الاسلام حتمية إلهية وأن هذه الحتمية ستجرف أمامها كل ما يمكرون.
فمازال هناك في ليبيا وخارجها شباب يحملون في اعماقهم ايمانًا راسخًا بهذ الدين، يفلون به حديد الكفر ويحملون في صدورهم نورًا يجدد للامة حياتها ومكانتها ويغرسون في الوطن شجرة الايمان .. قدموا الشهيد تلو الشهيد وعلقوا علي المشانق وتحمًّلوا مشقات الجهاد وصبروا على آلام السجون ومرارتها وكانوا إزاء كل ذلك محتسبين عند الله ورغم تهويل الباطل وتجمعه فإن قافلتهم تمضي لاتتوقف، راجين أن يكونوا من تلك الطائفة التي اخبر عنها