وكثيرا ما تنعت بعض الجماعات العاملة نفسها بنعوت من مثل"المجاهدة"أو"الداعية"وغيرها من النعوت - وهذا للذكر لا للحصر- أو غيرها من الصفات ذات البعد التخصيصي الاختزالي .. وما نراه في هذا السياق أن الإسلام بدرجة أولى والعمل الإسلامي بدرجة ثانية أعظم بكثير من هذه الملحقات أو النعوت التي قد تختزل التنظيم والجماعة في بعد واحد فتضخّمه وتجعله قطب الرحى.
إن القتال أو الجهاد ركن ركين في هذا الدين وأسّ عظيم لا ينكره أحد من العاملين .. ولئن غاب أو تضاءل حضوره في ساحات تاريخنا الحديث والمعاصر فقلّ وصار غائبا عزيزا فلا ينبغي لنا أن نحتفي بهذا الغائب ونهمل كل تلك المقومات والأوتاد التي قام عليها ويقوم عليها دائما صرح الإسلام، فالجهاد سهم من سهام الإسلام، والتربية سهم آخر والتعليم سهم وهكذا .. فلا ينبغي أن يكون المنهج منهجا تجزيئيا يقدّم ويبجّل صفة على أخرى لازمة، وهذا الفهم الشمولي هو الذي يتيح لنا أن نتعامل مع سعة الإسلام العظيم دون تشديد وتضييق على النفس.
إنّ الإسلام نظام حياة فلا يستتب نظام إلا إذا قام على كل سيقانه .. وهذا الفهم يجنّبنا أيضا ذلك البتر الذي يدعيه كثير من الناس حين يفصّل العهد النبوي إلى فصول يتخذها مسوّغا لفهم ناقص للدين وللعمل له.
صحيح قد تقتضي مرحلة ما إيلاء جانب من جوانب العمل أهمية أكثر وصحيح أيضا أن تحسن أي جماعة فهم لحظتها التي تعيشها وتحدد لها أبعادها ومقتضياتها البارزة، ولكن الذي يعاب هو أن نجمّد الفهوم والممارسات لأجل أن ننتصر لتصور مسبق ممجوج ولأجل أن ننصر مثالا ونموذجا صيغ في الأذهان ولم تسنده إشارة من القرآن ثم شهادة من زمان. إن استلهام الشريعة استلهاما متوازنا بعيدا عن التحجيم والتضخيم هو الذي يضمن بإذن الله لكل تجمع المسيرة المتوازنة الثابتة البعيدة عن مزالق التنطع والتهور والجمود.
وهكذا فعدم التضخيم والشمول في المنهج الحركي مبدأ حياتي قبل ذلك، فتقويم التاريخ والحركات والدلالات لن يستقيم إلا إذا كان النظر مدركا لا بعاد كل الصورة، فالسنن التي تحكم الظاهرات النفسية والاجتماعية والتاريخية والدينية سنن متراكبة متناسقة يفضي بعضها آلي بعض ويختلّ بعضها لاختلال البعض.
إن التوازن في الفهم كما اقتضى منا على المستوى الحركي المنهجي أن لا نضخّم جانبا على آخر وان نفهم الإسلام فهما شموليا فإنه يقتضي سلوك نفس المسلك في المجالات الأخرى