الحالة الثانية: أن لا يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك, وهذا لا يخلو من أحوال:
أن يكون في المسألة نص صريح؛ فلا يعتد بقول أحد, ولهذا قد روي عن جماعة من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى ما يخالف دليلًا أو لم يكن عليه أصل, والأصل على خلافه؛ كما جاء عن أبي طلحة عليه رضوان الله تعالى هنا وهو محتمل ومتأول, وكذلك عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى في إدخال الماء في عينيه في الغسل, وكذلك عن حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله تعالى هنا, وكذلك بإلزام بعض الصحابة عليهم رضوان الله تعالى بالتمتع وغيره, أن مثل هذا يُعتذر لهم, ولا يقال: إن قولهم ذلك سنة, فما خالف صراحة الدليل لا يعتد بقوله, وإن كان من الصحابة؛ لأن العبرة بالوحي من الكتاب والسنة, لكن إذا اشتهر قول الصحابي عليه رضوان الله تعالى وكان الصحابة شاهدين وكأنهم أطبقوا عليه، فإن هذا يكون شبه إجماع, وإن كان واحدًا, وهذا مرتبط بشهرة القول عن الصحابي, ومعرفة الشهرة أن يرويه عنه جماعة من أصحابه, أو يقوله في ملأ.
وهنا مسألة ينبغي أن يتنبه لها أن بعض الفقهاء حينما يورد قولًا للصحابي يقول: قال فلان بن فلان: كذا؛ كابن عباس أو ابن عمر، ولا يعلم له مخالف من الصحابة وهذا إجماع سكوتي, نقول: إجماع سكوتي كيف يثبت أنه إجماع سكوتي وأنت تعلم أنه لم يروه عنه من أصحابه إلا فلان ولم يرو عن فلان إلا واحد, فأثبت صورته أن الصحابة علموا به ثم قل إجماعًا سكوتيًا, ولهذا قد روي عن جماعة من الصحابة أقوال يخالفها جماعة آخرون, وروي عن بعضهم أقوال لم يحملها إلا واحد من أصحابهم؛ من ذلك ما يحتج به جماهير الفقهاء كما جاء في المصنف وكذلك عند الطيالسي وغيره من حديث سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى أنه قال فيمن ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فعليه دم, يعني: في الحج, يقول: هذا قول مشهور لا يُعلم له مخالف, مع أنه لم يروه عن عبد الله بن عباس إلا سعيد بن جبير، وأصحابه كثر, ولا نقدح بثبوته وإنما نقدح باشتهاره, فهو لم يشتهر عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى أو قاله بمجالس ونحو ذلك وانتقد عليه أو أنه وافقه عليه غيره.
وما يوافق فيه الصحابي الصحابة وعلم أنه قاله في ملأ ولو كان واحدًا ولم يذكر موافقة فإنه يكون إجماعًا, كما رواه ابن المنذر في مسألة الإنصات حال سماع الأذان, أو الترديد مع المؤذن هل هو واجب أم لا؟ بعض الفقهاء يقول: إنه واجب, مع أن ظاهر عمل الصحابة أنه مستحب, بل الذي أراه أنه بالإجماع على أن متابعة المؤذن ليست واجبة بإجماع الصحابة, وأن الإنصات ليس واجبًا بل مستحب, الدليل على ذلك ما رواه ابن المنذر من حديث عثمان بن عفان عليه رضوان الله تعالى قال: (كان عثمان بن عفان إذا صعد المنبر يوم الجمعة وقام المؤذن وأذن أخذ يسأل الناس عن أحوالهم) , عثمان بن عفان على المنبر وخليفة