فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 49

واختلف العلماء فيمن أكل أو شرب ناسيًا هل يفطر أم لا؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يفطر؛ لظاهر النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو ثابت في الخبر المشهور في الصحيحين وغيرهما, وذهبمالك وجمهور المالكية من المتأخرين إلى أن من أكل أو شرب ناسيًا فإنه يجب عليه القضاء, والصواب خلافه, وهذا مما خفي على الإمام مالك عليه رحمة الله تعالى من النصوص مع ثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلالة إسناده عنه عليه الصلاة والسلام.

... تنبيه من أكل أو شرب ناسيًا بأنه صائم

ومن رأى رجلًا يأكل ناسيًا ويشرب فإنه لا يخبره على الصحيح, وهذا هو الثابت عن غير واحد من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى؛ كعبد الله بن عمر وعلي بن أبي طالب، فقد روي عند الطحاوي في شرح معاني الآثار من حديث عبد الله بن دينار: أن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى استسقى فقال: ألست صائمًا؟ فقال: أراد الله أن يطعمني فمنعتني, والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من أكل أو شرب ناسيًا فإنما أطعمه الله وسقاه) , وجاء في المصنف وكذلك في الضعفاء للعقيلي، وقد رواه البخاري في التاريخ أيضًا من حديث عبد الكريم عن الحارث عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى نحو ما جاء عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى في هذا الباب وفيه ضعف, ولا أعلم خبرًا يمنع من ذلك, وإنما يبقى على أصله.

وقوله عليه الصلاة والسلام: (فإنما أطعمه الله وسقاه) , دليل على أن هذا منة وفضل ورحمة من الله عز وجل للإنسان، فتنبيهه مخالف لذلك, ومن قال: إن فيه تعاونًا على البر والتقوى فيقال: ليس هذا محله, فإن الإنسان إما أن يكون فعله مشروعًا أو يكون ممنوعًا, فما يفعله عن طريق السهو والغلط ففي حقه ليس بممنوع, خاصة إذا جاء النص بإظهار أنه منة؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما أطعمه الله وسقاه) , كيف وقد كان هذا هو عمل الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كعبد الله بن عمر وغيره, ومع ورود هذا على طبائع البشر وكثرته في الناس إلا أنه لم يرد نص فيما أعلم عن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يخالف ما جاء عنعبد الله بن عمر وغيره, وقول أنه من التعاون على البر والتقوى ليس هذا محله؛ لأن أصل الشرب والأكل ليس من الآثام, وإنما هو في حق المتعمد, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أسقط عمن أكل أو شرب ناسيًا الفطر وكذلك القضاء والكفارة, وجعل أكله وشربه ناسيًا إطعامًا من الله عز وجل, فقوله: (أطعمه الله وسقاه) , إظهار للمنة, فكان فعله هنا إنما هو رحمة من الله عز وجل له, فتنبيهه ليس بمشروع فيما يظهر والله أعلم, ومن قال بالتنبيه فهو قول محتمل؛ لكنه فيما أرى أنه خلاف ما عليه الصحابة عليهم رضوان الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت