وممن يجوز له الفطر في رمضان: الشيخ الكبير ومن به مرض لا يرجى برؤه, وإنما اقترن الشيخ الكبير بمن لا يرجى برؤه وذلك أن الهرم لا يؤمل منه عودة الشباب, ولهذا كل داء له دواء إلا الهرم والموت, فإنه لا شفاء منه, ولهذا الله سبحانه وتعالى يعيد الإنسان إلى أرذل عمره، فلا يمكن أن يعود إلى شباب بعد ذلك, وما كان فيه فإنه كالمرض الذي لا يرجى برؤه, ومن كان فيه مرض لا يرجى برؤه بعرف الناس وعرف الأطباء كأن يكون الإنسان قد أصيب بداء عضال في دمه؛ كالأمراض الحديثة من السرطان، أو مرض الكلى لكبار السن الذين لا يقبلون الزراعة ونحو ذلك وينصحونهم الأطباء بالفطر ويمنعونهم من الصيام, فهؤلاء يطعمون عن كل يوم مسكينًا, والإطعام في كلام الله سبحانه وتعالى وفي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في سائر الكفارات إذا لم يأت مقدرًا فهو نصف صاع, وهذه قاعدة.
وقد روى ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم في تفسيره وكذلك ابن أبي شيبة عن مجاهد بن جبر عليه رضوان الله تعالى قال: كل إطعام جاء في كتاب الله فهو نصف صاع, وهذه قاعدة؛ نصف صاع لكل مسكين, أو عن كل يوم بالنسبة لقضاء رمضان, فإنه يُطعم عنه, وإن شفي بعد ذلك وأطعم بقدرة الله عز وجل؛ كأن يكون الإنسان شفي من مرضه وعافاه الله عز وجل بأي سبب من الأسباب فإنه لا يقضي تلك الأيام؛ لأنه أطعم بسبب شرعي ولا حرج عليه في ذلك.
وممن له الفطر أيضًا: الحامل والمرضع, واتفق الأئمة عليهم رحمة الله تعالى على أن الحامل والمرضع إذا خافت على نفسيهما أنهما يقضيان من غير إطعام, وإنما الخلاف إذا خافتا على ولديهما, على خلاف عندهم في هذه المسألة, هل يُلحق الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما بالمريض أم لا يلحقان به باعتبار أن الخوف ليس فيها وإنما في غيرها؟ وهل تلحق بالشيخ الكبير أم لا؟ على خلاف عند العلماء في هذه المسألة.
ثبت عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى وعن عبد الله بن عمر أنهما قالا بالإطعام؛ كالشيخ الكبير, ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ [البقرة:184] , قالوا: وهؤلاء يطيقون وقد رخص لهم الشارع فعليهم إطعام من غير قضاء, وذهب جماعة من العلماء إلى أنهما يقضيان ويطعمان, وهذا المشهور في مذهب الإمام أحمد، وذهب غير واحد من الأئمة وهو ثابت عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر إلى أنهما يقضيان من غير إطعام, وهذا هو الصواب, ثبت بإسناد صحيح عند البيهقي والطحاويوغيرهما عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر أنهما قالا بذلك, وكأنهما قد رجعا عن قولهما الأول, وهذا القول هو القول الصواب.