عمر أدِّياه، فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر ـ قيل هو عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضًا، فقال عمر: قد جعلته قراضا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف الربح.
الأثر الثاني: عن علاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أعطى ماله قِراضًا يعمل فيه على أن الربح بينهما [1] .
من مجموع هذه الآثار ـ التي يقوِّي بعضها بعضًا ـ أنتهي إلى أن القراض أو المضاربة مشروعة بالسنة النبوية وعمل الصحابة وليس الإجماع أيضا كما ذهب البعض إلى ذلك، ولا بالإجماع فقط كما روي عن ابن حزم [2] .
حكمة مشروعيتها: شُرعت المضاربة، للحاجة إليها [3] ، إذ قد يوجد مع أحد مال ولا يقدر على تنميته والتجارة فيه، أو ليس عنده وقت للتجارة، أو ليست عنده خبرة كافية للعمل فيه، في مقابل أن يوجد من ليس له مال مع وجود الخبرة والفراغ والحاجة إلى العمل والتكسب، وبهذا تكون المضاربة بشروطها مفيدة لصاحب المال في تنمية ماله وإبرائه من إثم الاكتناز لقوله - سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ - يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} (التوبة:34 - 35) ، وهذا يؤكد أن إنفاق المال في الاستثمار أو الصدقات من الفروض الشرعية.
كما أن المضاربة مفيدة للعامل في تكسبه وحصوله على لقمة العيش من كدِّ يده، بالإضافة إلى إبعاده عن البطالة التي هي من أعضل الأمراض في المجتمع، لما رواه
(1) تنوير الحوالك (2: 137) وراوي الحديث العلاء بن عبد الرحيم بن يعقوب الحرمي المدني، روى عن أبيه وابن عمر وأنس، وروى عنه ابن شبل ومالك وشعبة، وقد وثقه أحمد وغيره، قال ابن معن:"ليس حديثه حجة"، راجع إسعاف المبطأ إلى رجال الموطأ، ص 209.
(2) المحلى (6: 116) .
(3) شرح منح الخليل (3: 264) .