أما عن كونه نقدًا سائلًا فهذا احترازٌ عن العَروض"البضاعة"حيث يرى جمهور الفقهاء أنه لا تجوز المضاربة بالعَروض وجوَّزه ابن أبي ليلى [1] . ويعلل ابن رشد حجة الجمهور بقوله:"إذا كان عروضًا كان غررًا لأنه يقبض وهو يساوي قيمة، ويرد وهو يساوي قيمة غيرها فيكون المال والربح مجهولًا" [2] . أما إذا كان يباع فقد جوَّزه الحنفية ومنعه مالك والشافعي [3] وحجة مالك أن البيع جهد زائد من العامل لحساب رب المال وهذا لا يجوز عنده [4] ، أما الحنفية فلهم مبرر مقبول وهو أن المضاربة جائزة لأنها لم تضف إلى العَروض [5] .
أما كون رأس المال معيَّنا أي ليس دينًا في الذمة عند العامل أو عند آخر فلا يجوز عند الشافعية والمالكية [6] ، ويعلل ذلك الإمام مالك بأن الديْن إذا كان لدى العامل وطلب منه صاحب المال أن يُقِرَّه عنده قراضا، فقد يكون ذلك مخافة أن يكون أعسر بماله فهو يزيده فيه [7] ، أي مظنة الربا واستحلاله من هذا الباب بطريق التحايل، كأنه يعطي رجلًا ديْنًا ينوي أن يأخذ عليه فائدة ربوية فيقول له خذ هذا المال قرضًا، وبعد فترة يقول له قد جعلت ما عندك قراضًا، وربما يعلم أنه قد أنفقه واستهلكه فيكون منْع ذلك من باب سد الذرائع.
أما إذا كان الديْن عند غير العامل فقد منعه الإمام مالك لأن استرداده منفعة لا تجوز [8] ، وعند الأحناف يجوز [9] ، وأظن أنه لا حرج في المضاربة بالديْن عند غير العامل، بشرط أن يُعطى أجرًا على تحصيل الديْن إن طلب العامل ذلك.
(1) اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ص (29) حيث يجعله ابن أبي ليلى بمنزلة المزارعة.
(2) بداية المجتهد (2: 208) ، وراجع كذلك رأي الشوكاني في نيل الأوطار (5: 138) .
(3) بداية المجتهد (2: 208) .
(4) تنوير الحوالك (2: 177) .
(5) بدائع الصنائع (8: 3594) .
(6) فتح العزيز (12: 7) ، وكذا المغني تأليف أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، المتوفى سنة 630هـ، على مختصر أبي القاسم الخرقي، المتوفى سنة 331هـ، يليه الشرح الكبير لأبي قدامة المقدسي، المتوفى سنة 672هـ ـ دار الكتب العلمية، 1994م، (5: 190) .
(7) تنوير الحوالك (2: 174) .
(8) السابق.
(9) بدائع الصنائع (8: 3595 و 3596) .