المطلب الأول: الأصل في تحديد الأسعار
إن من أبرز السمات التي تميّز بها الاقتصاد الإسلامي في تحديد أسعار السلع والخدمات أنه يربط ذلك بقوى العرض والطلب، وفي هذا غاية العدل، ومراعاة مصالح الخلق، واعتبار لظروف الأسواق، واختلاف السلع والخدمات من حيث تكاليفها، ووفرتها، وحاجة الناس لها. وبهذا تُحصّل المصالح، وتدرأ المفاسد وتستقيم أمور الناس في أسواقهم وتجاراتهم، فلا إجحاف بالباعة ولا إضرار بالمستهلكين [1] .
ولما كانت قاعدة الشريعة وأصلها المتين إقامة العدل في معاش الناس ومعاملاتهم امتنع النبي- ? - من التسعير لما غلا السعر في عهده - ? -، وقال لمن طَلَب منه التسعير: (( إن الله هو القابض الباسط المسعّر، وإني لأرجو أن ألقى الله، ولا يطالبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم، ولا مال ) ) [2] . فنبّه النبي- ? - بذلك إلى أنه لا يجوز التدخل في أسعار السلع والخدمات مادام غلاؤها ورخصها راجعًا إلى ميزان العرض والطلب، واختلافه قلة وكثرة، وأن التدخل في مثل هذه الحال نوع من الظلم للخلق في أموالهم وتجاراتهم [3] ، ومخالفة للقاعدة الشرعية الكبرى التي تبنى عليها التجارات والمعاملات، وهي التراضي في البياعات وسائر المعاوضات [4] . فإن الله - تعالى- قد اشترط لإباحة أكل المال في ذلك التراضي، فقال - جلَّ وعلا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [5] ، وقال النبي ?: (( إنما البيع عن تراضٍ ) ) [6] ، فالتراضي أصل تبنى عليه العقود كلها، فلا
(1) ينظر: الاقتصاد الإسلامي - بحث الثمن العدل في الإسلام -، للدكتور البلخي ص (153) ، قيود الملكية الخاصة للدكتور: عبدالله المصلح ص (419) ، ضوابط تنظيم الاقتصاد الإسلامي في السوق للدكتور عناية، ص (63) ، الحلال والحرام للدكتور القرضاوي ص (234) .
(2) تقدم تخريجه ص (159) .
(3) ينظر: المنتقى للباجي (5/ 18) ، الطرق الحكمية ص (206) .
(4) ينظر: العقود لابن تيمية ص (152 - 154) ، مجموع الفتاوى (29/ 6، 14 - 15، 155) .
(5) سورة النساء، جزء آية: (29) .
(6) رواه ابن ماجه في التجارات - باب بيع الخيار -، رقم (2185) ، (2/ 736) . من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -.
قال في مصباح الزجاجة (2/ 168) :"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".