بالدرجة الثانية أنهم اعتبروا العمل بسد الذرائع أصلًا مستقلًا من أصول الأحكام وأنهم أعملوها أكثر من غيرهم [1] .
قاعدة سد الذرائع من قواعد الشرع العظيمة [2] ، وقد وضع العلماء للعمل بها ضوابط مهمة هي كما يلي:
أولًا: أن يكون الفعل المأذون فيه يفضي إلى مفسدة غالبًا. فإن كان إفضاؤه إلى المفسدة نادرًا لا غالبًا، فإنه لا يمنع لذلك؛ بل هو باقٍ على الأصل، ولا حاجة إلى طلب دليل الإباحة، لأنه ثابت بالدليل السابق [3] .
ثانيًا: أن تكون المفسدة المترتبة على فعل المأذون فيه مساوية لمصلحته أو زائدة عليها [4] . فما كان كذلك فإنه يمنع؛ لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها، وتقليل المفاسد وتعطيلها [5] . من هذا الباب نهى الله - سبحانه وتعالى - عن سب آلهة الكفار بين ظهرانيهم مع ما في ذلك من المصلحة؛ لكون ذلك سببًا لوقوع مفسدة أعظم من تلك المصلحة؛ وهي سب الله - تعالى - [6] . أما إذا كانت المصلحة المترتبة على الفعل أكبر من المفسدة التي يفضي إليها؛ فإنه لا يمنع تقديمًا للمصلحة الراجحة وعملًا بها [7] .
ثالثًا: لا يشترط في العمل بسد الذرائع قصد المكلف إلى المفسدة؛ بل يكفي كثرة قصد ذلك في العادة، وذلك؛ لأن القصد لا ينضبط في نفسه غالبًا، إذ إنه من الأمور الباطنة
(1) ينظر: الفروق للقرافي (2/ 33) ، الوجيز في أصول الفقه ص (250) .
(2) ينظر: إغاثة اللهفان (1/ 381) .
(3) ينظر: مجموع الفتاوى (29/ 228) ، إعلام الموقعين (3/ 148) ، الموافقات للشاطبي (2/ 348 - 349) .
(4) ينظر: الفروق للقرافي (3/ 33) ، مجموع الفتاوى (32/ 288) ، إعلام الموقعين (3/ 148) .
(5) ينظر: مجموع الفتاوى (24/ 278 - 279) ، (30/ 234) .
(6) ينظر: إعلام الموقعين (3/ 148) ، الموافقات للشاطبي (3/ 360) ، (4/ 200) .
(7) ينظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص (31) ، مجموع الفتاوى (15/ 419) ، روضة المحبين ص (109) .