ـ وشرط العدل في هذه الآية {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} (النساء: 3) شرط شخصي لا تشريعي أعني: أنه شرط مرجعه لشخص المكلف لا يدخل تحت سلطان التشريع والقضاء، فإن الله قد أذن للرجل - بصيغة الأمر - أن يتزوج ما طاب له من النساء دون قيد بإذن القاضي أو بإذن القانون أو بإذن ولي الأمر [1] أو غيره، وأمره أنه إذا خاف - في نفسه - أن لا يعدل بين الزوجات أن يقتصر علي واحدة، وبالبداهة أن ليس لأحد سلطان علي قلب المريد الزواج حتي يستطيع أن يعرف ما في دخيلة نفسه من خوف الجور أو عدم خوفه، بل ترك الله ذلك لتقديره في ضميره وحده، ثم علمه الله سبحانه أنه علي الحقيقة لا يستطيع إقامة ميزان العدل بين الزوجات إقامة تامة لا يدخلها ميل فأمره أن لا يميل كل الميل فيذر بعض أزواجه كالمعلقة، فاكتفي ربه منه - في طاعة أمره بالعدل - أن يعمل منه بما استطاع عنه ما لم يستطع.
ـ وهذا العدل المأمور به مما يتغير بتغير الظروف ومما يذهب ويجئ بما يدخل في نفس المكلف؛ ولذلك لا يعقل أن يكون شرطا في صحة العقد، بل هو شرط نفسي متعلق بنفس المكلف في كل وقت بحسبه، فرب رجل عازم علي الزواج المتعدد وهو مصر في قلبه علي عدم العدل ثم لم ينفذ ما كان مصرا عليه وعدل بين أزواجه، فهذا لا يستطيع أحد يعقل الشرائع أن يدعي أنه خالف أمر ربه إذ إنه أطاع الله بالعدل، وعزيمته في قلبه من قبل لا أثر لها في صحة العقد أو بطلانه - بداهة - خصوصا وأن النصوص كلها صريحة في أن الله لا يؤاخذ العبد بما حدث به نفسه ما لم يعمل به أو يتكلم، ورب رجل تزوج زوجة أخري عازما في نفسه علي العدل ثم لم يفعل، فهذا قد ارتكب الإثم بترك العدل ومخالفة أمر ربه، ولكن لا يستطيع أحد يعقل الشرائع أن يدعي أن هذا الجور المحرم منه قد أثر علي أصل العقد بالزوجة الأخرى فنقله من الحل والجواز إلي الحرمة والبطلان، إنما إثمه علي نفسه فيما لم يعدل، ويجب عليه طاعة ربه في إقامة العدل، وهذا شئ بديهي لا يخالف فيه من يفقه في الدين والتشريع.
ــ والقوم أصحاب هوي ركبوا عقولهم لا أصحاب علم ولا أصحاب استدلال، يحرفون الكلام عن مواضعه، ويلعبون بالدلائل الشرعية من الكتاب والسنة ما وسعهم اللعب.
(1) ـ ليس المراد ولى المرأة، فإن النبى - قال:"لا نكاح إلا بولى"، وقال:"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل"