(( واتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها، على إقرار كل فريق للفريق الآخر، على العمل باجتهادهم، كمسائل في العبادات، والمناكح، والمواريث، والعطاء، والسياسة، وغير ذلك ... إلى أن قال:
وتنازعوا في مسائل علمية اعتقادية: كسماع الميت صوت الحي، وتعذيب الميت ببكاء أهله، ورؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربه قبل الموت -مع بقاء الجماعة والألفة.
وهذه المسائل: منها أحد القولين خطأ قطعًا، ومنها فالمصيب في نفس الأمر واحد عند الجمهور أتباع السلف، والآخر مؤدٍ لما وجب عليه بحسب قوة إدراكه.
وهل يقال له: مصيب أو مخطئ؟ فيه نزاع، ومن الناس من يجعل الجميع مصيبين، ولا حكم في نفس الأمر، ومذهب أهل السنة والجماعة: أنه لا إثم على من اجتهد، وإن أخطأ ))"انظر (( فتاوى ابن تيمية ) ) (19/ 122 - 123) ".
كما صرح -رحمه الله- في مكان آخر فقال:
(( والخطأ المغفور في الاجتهاد: هو في نوعي المسائل: الخبرية، والعملية، كما قد بسط في غير موضع، كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث، وكان لذلك ما يعارضه، ويبين المراد ولم يعرفه، مثل من اعتقد بأن الذبيح إسحاق، لحديث اعتقد ثبوته، أو اعتقد أن الله لا يرى، لقوله (( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ) ) (الأنعام: من الآية 103) . ولقوله: (( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) ) (الشورى: من الآية 51) ، كما احتجت عائشة -رضي الله عنها- بهاتين الآيتين على انتفاء الرؤية في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يدلان بطرق العموم.
وكما نقل عن بعض التابعين: أن الله لا يرى، وفسروا قوله (( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) ) (القيامة:23) ، بأنها تنتظر ثواب ربها، كما نقل عن مجاهد وأبي صالح ... ))"انظر (( مجموع فتاوى ابن تيمية ) ) (20/ 33/36) ."
إلى غير ذلك من أمثلة ذكرها- رحمه الله- في هذا المقام ...
وقال في مكان آخر:
(( فما زال في الحنبلية من الحنبلية من يكون ميله إلى نوع من الإثبات الذي ينفيه طائفة أخرى منهم، ومنهم من يمسك عن النفي والإثبات جميعًا، ففيهم جنس التنازع الموجود في سائر الطوائف، ولكن نزاعهم في مسائل الدق (( أي الدقيقة ) )، وأما الأصول الكبار، فهم متفقون عليها ... ))"انظر (( مجموع فتاوى ابن تيمية ) ) (4/ 166) "فقد فرق -رحمه