إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة لرعيتها بقدر الله؟!
قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه -وكان متغيبًا في بعض حاجته -فقال: إن عندي من هذا علمًا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إذا سمعتم به بأرض، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض فلا تخرجوا فرارًا منه ) ).
فحمد الله تعالى عمر رضي الله عنه، وانصرف"متفق عليه، انظر رياض الصالحين ص (581 - 582) ".
فيتجلى من هذا المثال الأثر الواضح الذي سببه عدم وصول النص إلى هؤلاء القوم من الصحابة رضوان الله عليهم، حتى اختلفوا إلى قولين -وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم- مع أن هذا الحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم بالإضافة عبد الرحمن بن عوف، أسامة رضي الله عنه بلفظ (( إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها ) )"متفق عليه، انظر رياض الصالحين (582 - 583) ".
ومن الأمثلة على ذلك: ما روي من اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في حكم ربا الفضل، فروي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وغيرهم أنهم كانوا يقولون بجواز ربا الفضل، وأنه لا ربا إلا في النسيئة، فلما سمعوا حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المتفق عليه، والذي فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل ... الحديث ) )رجعوا إلى قول الجمهور بتحريم ربا الفضل، وفي هذا يقول العلامة الشوكاني في شرحه لحديث أبي سعيد:
(( فيه التصريح بتحريم ربا الفضل، وهو مذهب الجمهور للأحاديث الكثيرة المذكورة في الباب وغيرها، فإنها قاضية بتحريم بيع هذه الأجناس بعضها ببعض متفاضلًا.
وروي عن ابن عمر: أنه يجوز ربا الفضل ثم رجع عن ذلك. وكذلك روي عن ابن عباس، واختلف في رجوعه، فروى الحاكم: أنه رجع عن ذلك لما ذكر له أبو سعيد حديثه الذي في الباب، واستغفر الله، وكان ينهى عنه أشد النهي ...
ثم قال الشوكاني:
وقد روى الحازمي رجوع ابن عباس واستغفاره عندما سمع عمر بن الخطاب وابنه عبد الله يحدثان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدل على تحريم ربا الفضل، وقال: حفظتما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم أحفظ.