وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة.
فإذا لم يبن ذلك وجب التوقف، ولم يجز القطع إلا بيقين، فإن اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه، جاز له ما يجوز للعامة من التقليد ... إلخ.
ثم ذكر نقولًا عن بعض الأئمة تؤكد ما نقل عنهم، من ذلك: ما رواه عن أشهب أنه قال: (( سئل مالك عن اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: خطأ وصواب، فانظر في ذلك ) ).
وقال ابن القاسم: (( سمعت مالكًا والليث يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس كما قال ناس فيه توسعة، ليس كذلك، إنما هو خطأ وصواب ) ). قال يحيى: (( بلغني أن الليث بن سعد قال: إذا جاء الاختلاف أخذنا فيه بالأحوط ) ).
إلى غير ذلك من نقولٍ ...
وبعد ذكر ابن عبد البر لأدلة أصحاب القول الثاني، وإيراده أقوالًا للسلف في تخطئة بعضهم بعضًا في الاجتهاد، قال:
(( هذا كثير في كتب العلماء، وكذلك اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم من المخالفين، وما رد فيه بعضهم على بعض لا يكاد يحيط به كتاب، فضلًا عن أن يجمع في باب، وفيما ذكرنا منه دليل على ما عنه سكتنا.
وفي رجوع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض، ورد بعضهم على بعض، دليل واضح على أن اختلافهم عندهم خطأ وصواب.
ولذلك ما كان يقول كل واحد منهم جائز ما قلت أنت، وجائز ما قلت أنا، وكلانا نجم يهتدى به، فلا علينا شيء من اختلافنا. والصواب مما اختلف فيه وتدافع، وجه واحد. ولو كان الصواب في وجهين متدافعين، ما خطأ السلف بعضهم بعضًا في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم، والنظر يأبى أن يكون الشيء وضده صوابًا كله ... ))"جامع بيان العلم وفضله (2،87 - 88) ".
وبعد هذا العرض لما نقله ابن عبد البر من مواقف السلف من الاختلافات العلمية نلاحظ ما يلي:
1 -إن الاختلاف الذي نقله ليس في طبيعة الاختلاف العلمي، ولا في الحكم عليه من حيث ذاته، وإنما هو اختلاف من حيث موفق الناس منها.
إذ ما من عالم من هؤلاء العلماء إلا وقد اختلف مع غيره في مسائل كثيرة، ولم ينقل عن