أحد منهم أنه أنكر وجود هذه الاختلافات، أو أبدى توقفًا في صدورها وطبيعتها ونشأتها، وإنما اتجه خلافهم إلى موقف الناس تجاه هذه الاختلافات، كما ظهر لنا من النصوص المنقولة عنهم.
2 -إن محل الاختلاف في هذا، إنما هو موقف العالم الناظر في الأدلة من هذه الاختلافات، لا في موقف العامي ومن في حكمه منها.
ويدل على هذا عنوان الباب الذي ذكره ابن عبد البر فقال:
(( باب جامع بيان ما يلزم الناظر في اختلاف العلماء ) ). والنظر في اختلاف العلماء هو العالم المتأهل لذلك، لا العامي الذي لا يملك من هذا الأمر شيئًا ما.
ويؤيد هذا قول ابن عبد البر نفسه في كلامه عن أصحاب القول الأول:
(( وصار في حيز العامة التي يجوز لها أن تقلد العالم إذا سألته عن شيء، وإن لم تعلم وجهه ) ).
وقوله في كلامه عن أصحاب القول الثاني:
(( فإن اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه جاز له ما يجوز للعامة من التقليد ... ) ).
ومن هنا يظهر لنا خطأ من يحمل هذه الأقوال السابقة على إطلاقها, ويستعملها في غير محلها, فيخاطب بها عامة الناس, فيكلفهم ما لا يطيقون, ويخاطبهم بما لا يعقلون ... 3 -
كما لابد من حمل قول من قال: إن في اختلاف الصحابة والعلماء رحمة وتوسعة- وهم أصحاب القول الأول على أن التوسعة المرادة هنا: في أنهم اجتهدوا في الأحكام الشرعية, فاختلفوا فيها, فكان اجتهادهم واختلافهم توسعة على من بعدهم من العلماء أن يعملوا عملهم, فيجتهدوا ويختلفوا في استنباط الأحكام كما اختلف أسلافهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن تبعهم بإحسان ...
وهذا المعنى للتوسعة لا يتعارض أبدًا مع قول من قال: (( إن المصيب في المسائل الخلافية واحد ) )إذ على العالم أن يجتهد في الأقوال المختلفة, ويتبنى منها ما يظهر له أنه الحق والصواب, سواء أوافق الصواب أم لا؟
وهذا الحمل هو الذي صرح بمعناه إِسماعيل القاضي كما نقل عنه ابن عبد البر قوله:
(( إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم توسعةٌ في اجتهاد الرأي, فأما أن تكون توسعة لأن يقول الإنسان بقول واحد منهم, من غير أن يكون الحق