عامة لأي خلاف علمي ينشأ في مسألة من المسائل, دون نظر إلى موضوعها وميدانها.
فالأحكام الشرعية بمجموعها, عقدية كانت أو فقهية, أو أخلاقية, أو دعويةً, وما إلى ذلك, كلها أحكامٌ دينية استنبطها العلماء من أدلتها الشرعية النقلية والعقلية, لا قداسة لنوع منها دون غيرها, ولا سبيل إلى تفريق بينها بسبب ميدانها وموضوعها, إلى ما يجوز فيه الخلاف وما لا يجوز!
ذلك لأن محور الخلاف قائم على طبيعة دليل المسألة العلمية, من قطيعة أو ظنية, فما كان دليلها قطعيًا ثبوتًا ودلالةً, لم يجر فيه الخلاف أبدًا, وإذا جرى, فهو مردودٌ على صاحبة أيا كان, وما كان دليلها ظنيا ثبوتًا ودلالة, أو ظنيا في أحدهما, جرى فيها الخلاف, وهو مقبول من صاحبه أصحاب فيه أو أخطأ, مادام صادرًا عن أهل العلم والاجتهاد في المسألة!
وقد اقتضت حكمة الشارع أن يأتي الدليل الشرعي صريحًا قاطعًا في أمهات المسائل الشرعية, والأصول العلمية, درءًا لمفسدة الخلاف فيها, والافتراق حولها, وأن يأتي الدليل الشرعي غالبًا محتملًا ظنيا في المسائل الفرعية, والفروع العلمية؛ تحقيقا لمصلحة إعمال الرأي والاجتهاد فيها- كما سيأتي توضيحه وتفصيله في محله من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ومن هنا: قل الاختلاف نسبيًا في المسائل العقدية بين المسلمين, وضاقت دائرة الاختلاف في العقائد عند أهل السنة والجماعة, وكثر الخلاف في جانب المسائل الفقهية, وتوسعت دائرة الاختلاف فيها اتساعًا كبيرًا, مما دعا بعض أهل العلم إلى إطلاق مثل تلك المقولات العلمية؛ اعتمادًا على أسلوب التغليب, واعتبارِ الأكثر والأغلب, فقال بعضهم: إن الخلاف بين المسلمين في الفقهيات, لا في العقديّات. وفي غفلة عن مثلِ هذا الأسلوب, وتلك الحقائق, فهمت تلك المقولات فهمًا خاطئًا من قبل بعض طلبة العلم, فأخذوا القول على إطلاقه دون تنبهٍ إلى الإشكالات العارضة على مثل هذا الإطلاق .. !
وفي بيان هذه الحقيقة, يقول الإمام ابن حزم -رحمه الله تعالى-: (( وأكثر افتراق أهل السنة في الفتيا, ونبذٍ يسيرةٍ من الاعتقادات ) )"انظر (( الفصل في الملل والنحل ) ) (2/ 111) ".
وإلا، فكيف يقبل عقل المسلم ذلك الإطلاق على حقيقته (بأنه لا خلاف في العقديات) وهو يقف على خلافٍ لبعض الصحابة -رضوان الله عليهم- وغيرهم من علماء السلف -