والضعيف.
والذي نميل إليه، ونراه أولى في الجمع بين الأقوال، وأسلم نتيجة في مسائل الاختلاف، أن نفصل في المسألة تفصيلًا يتعلق بنوع المسألة المختلف فيها من جهة، وبنوع المنكر من جهة أخرى، فأقول:
1 -الأصل في المسائل الاجتهادية المختلف فيها عدم الإنكار، ويستثنى من ذلك ما يلي:
(أ) ما كان الاختلاف فيه تاريخيًا لا يصح استمراره، كاختلاف السلف في الصدر الأول في حكم ربا الفضل، أو في حكم نكاح المتعة، الذي نقل العلماء رجوع المخالفين فيها إلى قول الجمهور، أو اعتبروا القول المخالف فيه قولًا شاذًا، فالواجب في مثل هذا الإنكار بمراتبه وشروطه المعرفة.
(ب) أما ما كان الخلاف فيه ضعيفًا عند العلماء، فيفرق فيه بين حالتين:
الحالة الأولى: ما اشتد ضعفه، وكان مصادمًا لنص شرعي ثابت، وقال به قائله لشبهة ضعفه -كإباحة آلات المعازف مثلًا-فينكر عليه.
أما الحالة الثانية: ما كان اجتهاديًا لا نص فيه مطلقًا، فلا إنكار على من عمل بأي قول من الأقوال إلا على سبيل النصيحة والأمر والني برفق خروجًا من الخلاف.
لأن مثل هذه المسألة وإن ضعفت عند كثير من العلماء، فقد تقوى عند غيرهم، وحسبنا فيها أنها اجتهاد لأحد الأئمة المعتبرين، وإلا وقع النزاع والخلاف، وثار الجدل لأنها مسألة تتفاوت فيها الآراء والأفهام ...
2 -وهذا الذي ذكرناه في الجهة الأولى إنما هو موقف العالم، العارف بالخلاف الوارد في المسألة.
أما العامي الذي لا يفرق بين الأقوال الضعيفة وغيرها، فلا يصح له أن ينكر في شيء من المختلف فيه إلا إذا عرف من عالم موثوق حكم المسألة، أو اشتهر إنكار العلماء لمثلها، فيكون إنكاره عندئذ تقليدًا للعلماء، ذلك التقليد الذي لا مصير لمثله إلا إليه.
ولا يكفيه مبررًا للإنكار أن يرى غيره عاملًا بخلاف ما يعمله، أو ما أفتاه به أحد العلماء، فما أكثر المسائل الاختلافية والاجتهادية التي يحسبها كثير من العامة مسائل قطعية لا مجال للاختلاف فيها!!
وبهذا يسد باب عظيم خطير، ويدفع عن المسلمين ويلات الشقاق والنزاع الذي أدى بهم في بعض الأزمنة إلى القتال والخصام ...