وسأختم حديثي في هذا الفصل بما ذكره العلامة الدهلوي رحمه الله مبينًا موقف العلماء من الاختلافات العلمية، وسيرتهم العملية في عدم إنكار بعضهم على بعض، حيث قال:
(( وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا يقرؤها، ومنهم من يجهر بها ومنهم من لا يجهر بها، وكان منهم من يقنت في الفجر ومنهم من لا يقنت في الفجر، ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، إلى أمثلة أخرى.
ثم قال: ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض، مثل ما كان أبو حنيفة أو أصحابه والشافعي وغيرهم رضي الله عنهم يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم، وإن كانوا لا يقرءون البسملة لا سرًا ولا جهرًا.
وصلى الرشيد إمامًا وقد احتجم، فصلى الإمام أبو يوسف خلفه ولم يعد -وكان أفتاه الإمام مالك بأنه لا وضوء عليه.
وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة، فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ، هل تصلي خلفه؟
فقال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب!!
وروي أن أبا يوسف ومحمدًا كانا يكبران في العيدين تكبير ابن عباس، لأن هارون الرشيد كان يحب تكبير جده.
وصلى الشافعي رحمه الله الصبح قريبًا من مقبرة أبي حنيفة رحمه الله، فلم يقنت تأدبًا معه، وقال أيضًا -أي الشافعي رحمه الله-: ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق.
وقال مالك رحمه الله للمنصور وهارون الرشيد ما ذكرنا عنه سابقًا، يريد بذلك ما ذكرناه في رسالته سابقًا وهو:
(( لما حج المنصور قال لمالك: قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ، ثم أبعث في كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم بأن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوه إلى غيره.
فقال: يا أمير المؤمنين: لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، ودانوا به من اختلاف الناس. فدع الناس وما اختار كل أهل بلد منهم لأنفسهم.
وحكي نسبة هذه القصة إلى هارون الرشيد، وأنه شاور مالكًا في أن يعلق الموطأ في