وفي هذا يقول الخطيب البغدادي:
(( أما من يسوغ له التقليد: فهو العامي الذي لا يعرف طرق الأحكام الشرعية، فيجوز له أن يقلد عالمًا، ويعمل بقوله. قال الله تعالى: (( فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ). ثم قال: وحكي عن بعض المعتزلة أنه قال: لا يجوز للعامي العمل بقول العالم حتى يعرف علة الحكم، وإذا سأل العالم فإنما يسأله أن يعرفه طريق الحكم، فإذا عرفه وقف عليه وعمل به.
وهذا غلط، لأنه لا سبيل للعامي إلى الوقوف على ذلك، إلا بعد أن يتفقه سنن كثيرة، ويخالط الفقهاء المدة الطويلة، ويتحقق طرق القياس، ويعلم ما يصححه ويفسده، وما يجب تقديمه على غيره من الأدلة، وفي تكليف العامة بذلك تكليف ما لا يطيقونه، ولا سبيل لهم إليهم ... ))"الفقيه والمتفقه (68:2 ت 69) ".
وهنا أريد أن أنبه إلى أن معنى قوله: (( من يسوغ له التقليد أو يجوز به ... إلخ ) )لا يصح حمله على معناه الاصطلاحي وهو الإباحة المقتضية للتخيير، إذ يجب على العامي وجوبًا، أن يقلد كما بينته أو الكلام عنه، أخذًا من عموم قول الله سبحانه: (( فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) )والأمر هنا دليل الوجوب.
ولعل الذي دعاهم إلى التعبير بالجواز بدل الوجوب في مثل هذا المقام، هو ردهم على الذين منعوا تقليد العامي -كما حكاه الخطيب عن بعض المعتزلة وغيره-فأرادوا بالجواز هنا ما يقابل المحظور.
ولهذا كانت عبارة الآمدي في أصوله أصرح وأدق في بيان حكم العامي، حيث قال:
(( العامي، ومن ليس له أهلية الاجتهاد -وإن كان محصلًا لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد- يلزمه اتباع قول المجتهدين، والأخذ بفتواهم عند المحققين من الأصوليين ...
ومنع من ذلك بعض معتزلة البغداديين، وقالوا: لا يجوز ذلك إلا بعد أن يتبين له صحة اجتهاده بدليله.
ونقل عن الجبائي: أنه أباح ذلك في مسائل الاجتهاد دون غيرها، كالعبادات الخمس.
والمختار: إنما هو المذهب الأول، ويدل عليه النص والإجماع والمعقول ... -أما النص: فقوله تعالى: (( فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) )وهو عام لكل المخاطبين، ويجب أن يكون عامًا في السؤال عن كل ما لم يعلم، بحيث يدخل فيه محل النزاع ... ثم قال: