-وأما الإجماع: فهو أنه لم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين قبل حدوث المخالفين يستفتون المجتهدين، ويتبعونهم في الأحكام الشرعية، والعلماء منهم يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير، فكان إجماعًا على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقًا.
-وأما المعقول: فهو أن من ليس له أهلية الاجتهاد، إذا حدثت به حادثة فرعيه، وإما أن لا يكون متعبدًا بشيء، وهو خلاف الإجماع من الفريقين، وإن كان متعبدًا بشيء، فأما بالنظر في الدليل المثبت للحكم، أو بالتقليد.
الأول ممتنع: لأن ذلك فيما يفضي في حقه وفي حق الخلق أجمع إلى النظر في أدلة الحوادث، والاشتغال عن المعايش، وتعطيل الصنائع والحرف، وخراب الدنيا، وتعطيل الحرث والنسل، ورفع الاجتهاد والتقليد رأسًا، وهو من الحرج والإضرار المنفي بقوله تعالى: (( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) ) (الحج: من الآية 78) وبقوله عليه الصلاة والسلام (( لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ) ).
وهو عام في كل حرج وضرار، ضرورة كونه نكرة في سياق النفي، غير أنا خالفناه في امتناع التقليد في أصول الدين لما بيناه من الفرق في مسألة امتناع التقليد في أصول الدين، ولأن الوقائع الحادثة الفقهية أكثر بأضعاف كثيرة من المسائل الأصولية التي قيل فيها بامتناع التقليد، فكان الحرج في إيجاب الاجتهاد فيها أكثر، فبقينا فيما عدا ذلك عاملين بقضية الدليل، وهو عام في المسائل الاجتهادية وغيرها ... إلخ ))"الإحكام للآمدي (306:4 - 308) وانظر زيادة تفصيل في الفقيه والمتفقه للبغدادي (68:2) ".
3 -المتعلم: ونريد به من كان فوق العامي ودون المجتهد، إذا حصل شيئًا من العلم والمعرفة يرفعه عن درجة العوام، ولم يبلغ به درجة الاجتهاد، كأكثر علماء الأمة المتخصصين في العلوم الشرعية، المهتمين بالعلم والتحصيل.
ولا شك أنهم على درجات كثيرة متفاوتة تتراوح بين العامية والاجتهاد ...
فهؤلاء تختلف عبارات العلماء في الحكم عليهم، وبيان موقفهم من المسائل الاختلافية، حتى إنه يقهم من عموم عبارات بعضهم إلحاقهم بدرجة العامة الذين يجب عليهم التزام التقليد مطلقًا، ما داموا لم يبلغوا درجة الاجتهاد.
كما يفهم من عبارات بعضهم: التفريق بينهم وبين العامة، والسماح لهم بالنظر في الأدلة، واختيار ما يرونه راجحًا من المسائل الاختلافية.