والذي يجعل الحكم على هؤلاء دقيقًا، تفاوت درجاتهم، وتعدد أشكالهم، وتباين أحوالهم، مع عدم توفر الضابط الدقيق الذي يقيس علم هؤلاء وهؤلاء، فيلحقهم بهذه المرتبة أو تلك.
ولعل مما يساعدنا على تحرير موقف هذا الصنف بحثنا بشكل إجمالي لمسألة أصولية اختلفت فيها الأنظار، وتتعلق بموضوعنا بعض التعلق، وهي مسألة: (( هل يتجزأ الاجتهاد؟ ) ).
وصورتها: (( أن تحصل أهلية الاجتهاد لإنسان ما في مسألة من المسائل، فيؤديه اجتهاده فيها إلى ما يخالف فيه غيره من المجتهدين، فهل لمثل هذا في هذه الحالة أن يعمل باجتهاده؟ أم لا بد له من تقليد غيره؟. ) )فقال قوم: يلزمه العمل باجتهاده ما دام قد اجتهد في هذه المسألة وحصل على أهلية الاجتهاد فيها.
وقال آخرون: يلزمه تقليد غيره، بناء على عدم جواز تجزؤ الاجتهاد عندهم. كما اختلف العلماء في ترجيح قول على قول في هذه المسألة"الإحكام للآمدي (27:4 - 275) وفواتح الرحموت (364:2) والمستصفى للغزالي (384:2) وشرح الكوكب المنير ص 398".
والذي يبدو لي أن هذه المسألة تتعلق بالمجتهد -وهو الصنف الأول- أكثر من تعلقها بالمتعلم- الذي هو الصنف الثالث- لأننا عرفنا الصنف الثالث، بأنه الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد، ولم يؤهله علمه للاستنباط المباشر.
وظاهر مرادهم من هذه المسألة حالة تتعلق بالمجتهد، ولهذا اكتفيت بالإشارة إليها دون تحقيق فيها. ويعرف تفصيلها في محالها من كتب الأصول.
إلا أنني وقفت على بعض العبارات للعلماء وهو يبحثون هذه المسألة، نحتاج إليها في بحثنا هذا.
فقد قال الإمام الغزالي في المستصفى:
(( وهذا ليس مجتهدًا، ولكن ربما يكون متمكنًا من الاجتهاد في بعض الأمور، وعاجزًا عن البعض إلا بتحصيل علم على سبيل الابتداء، كعلم النحو مثلًا في مسألة نحوية، وعلم صفات الرجال وأحوالهم في مسألة خبرية وقع النظر فيها في صحة الإسناد.
فهذا من حيث حصل بعض العلوم واستقل بها، ولا يشبه العامي، ومن حيث إنه لم يحصل هذا العلم فهو كالعامي، فيلحق بالعامي أو بالعالم فيه نظر.