ويكون هذا عذرًا له في ترك مذهب إمامه ههنا )) .
قال الدهلوي بعد نقله لكلام ابن الصلاح هذا: (( وحسنه النووي وقرره ... ) )"الإنصاف للدهلوي ص 66".
نظرًا لاختلاف العلماء في تجزؤ الاجتهاد من جهة، ولضرورة التفريق بين العامي والمتعلم من جهة أخرى، أرى أنه لابد من التفصيل في الكلام على موقف الصنف الثالث كما يلي:
إن المتعلم -على اختلاف درجاته وأحواله- لا يخلو من إحدى حالتين:
(أ) حالة يرى في نفسه إمكان البحث والنظر في الأدلة، بما أوتيه من علم، وبما يملكه من همة في البحث والتحصيل، وبما توفرت لديه مراجع بحثه ...
(ب) وحالة لا يرى في نفسه إمكان ذلك، لقصور علمه، أو لضعف همته، أو لعدم توفر المراجع لديه.
-ففي الحالة الأولى: نرى أن مثل هذا المتعلم إذا بذل من الاجتهاد والنظر قدرًا كافيًا، واستفرغ وسعه في البحث والتحصيل، حتى وصل إلى حد الاطمئنان القلبي إلى ما وصل إليه، فله في هذا الحال أن يعمل بما ترجح لديه، ويبين ما توصل إليه، مع احترامه للآراء الأخرى، وتقديره للعلماء المخالفين له في ذلك. وهذا على سبيل الجواز لا الوجوب، لأن هذه الشروط الثلاثة السابقة أمر يخفى على غيره، فيترك الأمر بينه وبين ربه ...
-وفي الحالة الثانية: نرى أن مثل هذا المتعلم- إذا لم تتوفر فيه هذه الشروط، أو اختل فيه أحدهما- فلا يجوز له- ما دام على هذه الحال- أن يعمل بما ترجح لديه بمجرد نظره وتفكيره، لأنه ترجيح بلا مرجح، ونظر ليس من أهله.
ويكون حكمه عندئذ حكم العامي تمامًا، وإن خالفه في بعض الأوصاف ... وإلا كان عاملًا بما لم يعلم، ويشمله قول الله عز وجل: (( فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ).
ولا يهمنا بعدئذ أن نحكم بوجود هؤلاء أو عدمهم، ولكن الذي نطمئن إليه أنه لا تخلو بلاد المسلمين في كل عصر غالبًا من العلماء الحريصين على العلم، المتابعين للبحث والنظر، الباذلين وسعهم وجهدهم في سبيل العلم على اختلاف درجاتهم ...
ونكون بهذا قد حصلنا على فائدتين. وحققنا غرضين: