فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 57

وكان لأبي حنيفة×جار بالكوفة إذا انصرف من عمله يرفع صوته في غرفته منشدًا قول العرجي:

أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسِداد ثغر

فيسمع أبو حنيفة إنشاده هذا البيت، فاتفق أن أخذ الحرس في ليلة هذا الجار وحبسوه، ففقد أبو حنيفة صوته تلك الليلة، وسأل عنه من الغد، فأخبروه بحبسه، فركب إلى الأمير عيسى بن موسى، وطلب منه إطلاق الجار، فأطلقه في الحال.

فلما خرج الفتى دعاه أبو حنيفة، وقال له سرًَّا: فهل أضعناك يا فتى؟

قال: لا، ولكن أحسنت وتكرمت، أحسن الله جزاءك [1] .

بل لقد غالى العرب وبالغوا في المحاماة عن الجار؛ إذ لم تتوقف محاماتهم عن الجار الإنسان، بل لقد تعدوا ذلك، فأجاروا ما ليس بإنسان إذا نزل حول بيوتهم حتى ولو كان لا يعقل ولا يستجير؛ مبالغة في الكرامة والعزة، وتحديًا لأحد أن يخفر الجوار، مثل ما فعل مدلج ابن سويد الطائي الذي نزل الجراد حول خبائه، فمنع أحدًا أن يصيده حتى طار وبَعُدَ عنه [2] .

وكان كليب يجير الصيد فلا يعرض له أحدٌ [3] .

3_الإحسان إلى الجار: فلا يكفي الرجل في حسن الجوار أن يكف أذاه عن جاره، أو أن يدفع عنه بيده أو جاهه يدًا طاغيةً، أو لسانًا مقذعًا.

بل يدخل في حسن الجوار أن يحسن إليه في كافة وجوه الإحسان، فذلك دليل الفضل، وبرهان الإيمان، وعنوان الصدق.

(1) انظر الهداية الإسلامية ص 80.

(2) انظر مجمع الأمثال للميداني 1/ 22، والجوار عند العرب ص 18.

(3) انظر الأغاني لأبي الفرج 5/ 29، والجوار عند العرب ص 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت