فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 57

والملاطفة، ولهذا حق التواصي، وهكذا ...

ثم إن من الجيران من يكفيه طلاقة المحيا وابتداء السلام، ومنهم من تكفيه الزيارة الحولية أو الشهرية، ومنهم من يعفو عن حقه كاملًا، ومنهم من لا يرضى إلا بالملاحظة الدائمة والملاطفة المستمرة، وهكذا ...

فمعاملتهم بهذا المقتضى تعين كثيرًا على استبقاء مودتهم، ومراعاةُ عقولِ الناسِ وطباعِهم ونزعاتهم فيما لا يُقْعِدُ حقًَّا أو يقيم باطلًا مظهرٌ من مظاهر الإنسانية المهذبة، ولون من ألوان الذوق الرفيع.

وهذا الأمر وإن كان عائدًا إلى الألمعية وهي في أصلها موهبة إلهية فهو كذلك يأتي بالدَّرَبَةِ والممارسة.

37_قلة احتمال الجارِ والصبرِ على أذاه: فقد مرّ بنا أن من حق الجار أن تصبر على أذاه.

ومن الناس من لا يصبر على أدنى هفوة تصدر من جاره؛ فلا يتغاضى ولا يتغافل.

بل يضع كل شيء على باله؛ فما أن يصاب بالتافه من الأمر إلا وتراه حرج الصدر، لهيف القلب، كاسف الوجه، تتناجى الهموم في صدره، فتؤرق جفنه، وتقض مضجعه، وما ذلك إلا لرخاوة نفسه، وضيق عطنه، وقلة تحمله.

ولو حدثت لمن هو أقوى منه احتمالًا لما ألقى لها بالًا، ولما حركت منه ساكنًا، بل نام ملء عيونه رضيَّ البال، مرتاح القلب.

ومن هنا لا ينبغي للجار أن يتضايق من جاره لأدنى هفوة؛ فالجار أولى بأن تعفو عنه، وتتغاضى عن زلته، خصوصًا إذا كان ذا فضل وإحسان.

وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع [1]

(1) مفتاح دار السعادة لابن القيم 1/ 177.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت