عباد الله إخوانًا، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث+ [1] .
ولئن كان هذا الأمر مرفوضًا وقوعه بين عامة المسلمين_فإن وقوعه بين الجيران أشد وأكبر؛ فليس من الحكمة أن يتخاصم الجيران عند كل صغيرة وكبيرة، وليس من الدين ولا المروءة بعد الخصام أن يتهاجروا ويتقاطعوا؛ فالخصومة الشريفة خصومة دعا إليه سبب معقول، وتبودلت فيها الحجج والبراهين من غير مهاترةٍ أو مسابةٍ، والوسائلُ المكشوفةُ الظاهرة لا الخفية الدنيئة، وخرج كل خصم من المعركة شريفًا نبيلًا لم تُدنِّسْه الخصومة؛ فالخصومة الشريفة كالصراع بين فارس نبيل وفارس نبيل، لا بد لحربهما من سبب معقول قوي، فإذا تحاربا خضعا تمام الخضوع لقوانين الفروسية، وترفعا عن الصغائر والسفاسف، وأساليب الخداع والمراوغة، وإذا انتهى الصراع انتهت الخصومة [2] .
29_قلة الحرص على إصلاح ذات بين الجيران: فكثيرًا ما تفسد ذات البين بين الجيران إما بسبب خصومة_كما مر_أو بسبب تافه حقير، وربما قامت سوق العدواة بين الجيران بدون سبب ظاهر.
ومع ذلك قلَّ من يحرص على الإصلاح، ورأب الصدع، وجمع الكلمة.
بل قد يوجد من حمَّالة الحطب من يغري العدواة، ويذكي أوارها.
فهذا الصنيع لا يجوز، بل اللائق بالجيران أن يَهُبُّوا لإصلاح ذات البين إذا فسدت بين بعضهم، ويعظم هذا الواجب في حق من له جاه ومكانة.
قال_تعالى_: [لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا
(1) رواه البخاري 7/ 88، ومسلم (2559) عن انس رضي الله عنه.
(2) انظر: فيض الخاطر لأحمد أمين 5/ 285.