34_التفريط بالجار الصالح: فكما أن هناك من لا يأبه باختيار الجار الصالح، فهناك من لا يبالي بالتفريط بالجار الصالح، فتراه لا يحافظ عليه، ولا يقدر قدره، ولا يظهر له المودة والمحبة، بل ربما أساء إليه بقوله أو فعله، أو بهما جميعًا، ومن هنا يتسبب في رحيله وفراقه.
ومن الناس من يفرط بجاره الصالح بالرحيل عنه، إما رغبة في التغيير، أو طمعًا في تأجير منزله أو بيعه، أو ما شاكل ذلك من الأسباب، متناسيًا أو ناسيًا جاره الصالح الذي لا يقدر بثمن.
ومن التفريط بالجار الصالح قلة المبالاة به إذا همَّ بالرحيل عن داره الأولى، فلا تجد من جيرانه من يثنيه عن رحيله، ويعزم عليه بالبقاء فلربما عدل عن رأيه إذا وَجَد من جيرانه رغبةً فيه، وشفقة عليه خصوصًا إذا لم يكن هناك سبب مُلِحٌّ يدعوه للرحيل، أو كان ثمَّ سبب يمكن أن يُزال.
وكل هذا تفريط بالجار؛ فأنى لك بعد هذا بجار صالح يبذل لك معروفه، ويكف عنك أذاه، ويحتمل أذاك، ويحميك ممن ينالك؟
ولهذا فإن للجار الصالح منزلةً عند العقلاء، ومَنْ يقْدرون المكارم قدرها؛ فهم لا يعدلون به شيئًا، ولا يرتضون به بدلًا، ولا يبغون عنه حِولًا؛ لأن فيه أنْسَ وحشتهم، واستقرار حياتهم، وبه الأمن على كل مرتخص ونفيس، فهو_بعد الله_غناهم حال الفقر، وغياثهم ونجدتهم في الخطوب، وهو عدتهم وعتادهم عند النوازل؛ فبقاؤه خصب ونعمة، وفراقه ورحيله مَحْلٌ ونقمة.
ولهذا كان السلف الصالح، والكرام من الناس لا يؤثرون بالجار الصالح مالًا ولا عرضًا من الدنيا.
=باع أبو الجهم العدوي داره بمائة ألف درهم، ثم قال: بكم تشترون جوارَ سعيد