فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 57

وهناك من الناس من يرد الإساءة بأشد منها.

وهذا من التقصير في حق الجار، ومما يوغر الصدور، ويغري العدواة.

قال_تعالى_: [خُذْ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ] (الأعراف:199) .

وهذا في حق الناس كلهم؛ فكيف بالجار؟

فليس من اللائق بذي الفضل أن يرد إساءة جاره بمثلها أو أشد، بل اللائق به أن يصفح، ويعفو، وأن يناصح، وإن أراد أن يأخذ حقه فليأخذه بالعدل دون زيارة، أو تعدٍّ. وإن صبر وغفر فإن ذلك من عزم الأمور، وإن أخذ بالأسباب المُصلحة للجار كان ذلك نورًا على نور.

ولهذا لما اشتكى رجل إلى النبي"ما يلقاه من أذى جاره أمره بالصبر، فلما تكررت الأذية والشكاية أرشده إلى علاج مفيد مع بعض الناس."

فعن أبي هريرة÷قال: =جاء رجل إلى النبي"يشكو جاره فقال: =اذهب فاصبر+ فأتاه مرتين أو ثلاثًا فقال: =اذهب فاطرح متاعك في الطريق+، فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يسألونه فيخبرهم خبره، فجعل الناس يلعنونه، فعل الله به وفعل."

فجاء إليه جاره فقال له: ارجع، لا ترى شيئًا تكرهه+ [1] .

ففي هذا الحديث تحريم أذية الجار، وفيه حث لمن أوذي أن يصبر، وفيه علاج لمن تمادى في أذية جاره.

وليس معنى ذلك أن يُخْرِجَ كلُّ مَنْ آذاه جارُهُ متاعَهُ إلى السوق، ولكنه علاج نبوي قد ينفع مع بعض النفوس التي لا يكفها عن أذاها إلا التشهير ونشر الخزي.

(1) أخرجه أبو داود (3153) ، والبخاري في الأدب المفرد (124) ، وصححه ابن حبان (520) ، والحاكم 4/ 160، ووافقه الذهبي، وقال ابن مفلح في الآداب 2/ 17: إسناده حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت