وإلا فكثيرًا ما يكون الصفح عن الرجل، والعفو عن زلته دواءً لسوء خلقه، وتقويمًا لعوجه، فيعود الجفاء إلى ألفة، والمناوأة إلى مسالمة.
أما التسرع إلى دفع السيئة بمثلها أو بأشد منها دون نظر إلى ما يترتب عليها من الأثر السيئ فدليل ضيق الصدر، والعجز عن كبح جماح الغضب.
وإنما يتفاضل الناس في السماحة والسيادة على قدر تدبرهم للعواقب، وإسكاتهم الغضبَ إذا طغى [1] .
فإذا أساء إليك أحد من جيرانك فادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم؛ فذلك من دلائل مروءتك، ومن علامات سؤددك.
ولهذا قيل: =مروءة الرجل صدق لسانه، واحتمال عثرات جيرانه، وبذل المعروف لأهل زمانه، وكفه الأذى عن أباعده وجيرانه+ [2] .
قال أحدهم:
أقول لجاري إذ أتاني معاتبًا ... مُدِلًا بحقٍ أو مُدِلًا بباطل
إذا لم يَصِلْ خيري وأنت مجاورٌ ... إليك فما شري إليك بواصل [3]
وقال المُثَقِّب العبدي في الحث على الصفح والإعراض:
وكلامٍ سيئٍ قد وقرت ... أُذُني عنه وما بي من صمم
فَتَعَزَّيتُ؛ خشاةً أن يرى ... جاهلٌ أني كما كان زعم
ولَبَعْضُ الصفحِ والإعراض عن ... ذي الخنا أبقى وإن كان ظلم [4]
(1) انظر الهداية الإسلامية ص 82، 83.
(2) عين الأدب والسياسة وزين الحسب والرياسة لعلي بن عبد الرحمن بن هذيل ص 431.
(3) الآداب الشرعية 2/ 18.
(4) المفضليات ص 294.