وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التهتك وتمام اللذة، حتى يفتخر أحدهم بالمعصية، ويحدث بها من لم يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان! عملت كذا وكذا!! وهذا الضرب من الناس لا يعافون، ويُسد عليهم طريق التوبة، وتُغلق عنهم أبوابها في الغالب، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"كل أمتي معافى؛ إلا المجاهرون، وإن من الإجهار أن يستر الله على العبد، ثم يصبح يفضح نفسه ويقول: يا فلان! عملت يوم كذا وكذا وكذا! فيهتك نفسه وقد بات يستره ربه" [1] .
ومنها: أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه، قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم.
وإذا هان العبد على الله؛ لم يكرمه أحد كما قال الله تعالى {ومن يهن الله فماله من مكرم} [الحج:18] وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم أو خوفا من شرهم؛ فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه.
ومنها: أن العبد لا يزال يرتكب الذنوب حتى يهون عليه ويصغر في قلبه، وذلك علامة الهلاك؛ فإن الذنب كلما صَغُرَ في عين العبد؛ عَظُمَ عند الله.
وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن مسعود قال:"إن المؤمن يري ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار" [2]
ومنها: أن المعصية تورث الذل ولا بد، فإن العز كل العز في طاعة الله تعالى، قال تعالى {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} [فاطر:10] أي: فليطلبها بطاعة الله؛ فإنه لا يجدها إلا في طاعته، قال الحسن البصري: إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين؛ فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.
وقال عبد الله بن المبارك:
رأيتُ الذُّنوبَ تُميتُ القلو ... بَ وقدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدمانُها
وتَركُ الذُّنوبِ حياةُ القلو ... بِ وخيرٌ لنفسِكَ عصيانُها
(1) أخرجه: البخاري (6069) ومسلم (3990) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) أخرجه: البخاري (6308) .