أعظمها الانكباب على الدنيا، والإعراض عن الآخرة، والإقدام والجرأة على معاصي الله عز وجل، وربما غلب على الإنسان ضرب من الخطيئة، ونوع من المعصية، وجانب من الإعراض، ونصيب من الجرأة والإقدام، فملك قلبه وسبي عقله، وأطفأ نوره، وأرسل عليه حجبه؛ فلم تنفع فيه تذكرة، ولا نجعت فيه موعظة، فربما جاءه الموت على ذلك، فسمع النداء من مكان بعيد، فلم يتبين له المراد، ولا علم ما أراد، وإن كرر عليه الداعي وأعاد.
قال عبد الحق: وقيل لآخر ممن أعرفه: قلْ: لا إله إلا الله. فجعل يقول: الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا، والبستان الفلاني افعلوا فيه كذا.
وقال: وفيما أذن لي أبو طاهر السلفي أن أحدث به عنه: أن رجلا نزل به الموت فقيل له: قل: لا إله إلا الله. فجعل يقول بالفارسية: ده يازده ده وازداه، تفسيره عشرة بأحد عشر.
وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله فجعل يقول:
أين الطريق إلى حمام منجاب؟
قال: وهذا الكلام له قصة: وذلك أن رجلا كان واقفا بازاء داره، وكان بابها يشبه باب الحمام، فمرت به جارية لها منظر، فقالت: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فقال: هذا حمام منجاب! فدخلت الدار ودخل وراءها، فلما رأتْ نفسها في داره، وعلمت أنه قد خدعها؛ أظهرت له البشر والفرح باجتماعها معه، وقالت له: يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا وتقر به عيوننا. فقال لها: الساعة آتيك بكل ما تريدين وتشتهين. وخرج وتركها في الدار ولم يغلقها، فأخذ ما يصلح، ورجع، فوجدها قد خرجت وذهبت ولم تخنه في شيء، فهام الرجل، وأكثر الذكر لها، وجعل يمشي في الطرق والأزقة ويقول:
يا رُبَّ قائِلَةٍ يومًا وقدْ تَعِبَتْ ... كيفَ الطريقُ إلى حَمَّامِ مِنْجابِ
فبينما هو يقول ذلك، وإذا بجاريةٍ أجابته:
هَلاَّ جَعَلتَ سَريعًا إذْ ظَفِرْتَ ِبها ... حِرْزًا على الدَّارِ أو قُفْلًا على الباب