فيجعلون الحلال فيها حراما والحرام فيها حلالا والحق فيها باطلا والباطل فيها حقا بعد ما عقلوا حقيقته وهم يعلمون أنهم يحرفون كلام رب العالمين عمدًا وكذبًا و إذا لقوا الذين آمنوا قالوا بلسانهم: آمنَّا بدينكم ورسولكم المبشَّر به في التوراة وإذا خلا بعض المنافقين من اليهود إلى بعض قالوا في إنكار أتحدِّثون المؤمنين بما بيَّن الله لكم في التوراة من أمر محمد لتكون لهم الحجة عليكم عند ربكم يوم القيامة؟ أفلا تفقهون فاحذروا؟ ألا يعلمون أن الله يعلم جميع ما يخفونه وما يظهرونه؟
ومن اليهود جماعة يجهلون القراءة والكتابة ولا يعلمون التوراة وما فيها من صفات نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وما عندهم من ذلك إلا أكاذيبُ وظنون فاسدة فالهلاك والوعيد لأحبار السوء من اليهود الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله وهو مخالف لما أنزل الله على نبيِّه موسى عليه الصلاة والسلام ليأخذوا في مقابل هذا عرض الدنيا. فلهم عقوبة مهلكة بسبب كتابة الباطل بأيديهم ولهم عقوبة مهلكة بسبب ما يأخذونه في المقابل من المال الحرام
وقالت بنو إسرائيل: لن تصيبنا النار في الآخرة إلا أيامًا قليلة العدد فقل لهم أيها الرسول أعندكم عهد من الله بهذا فإن الله لا يخلف عهده؟ بل إنكم تقولون على الله ما لا تعلمون بافترائكم الكذب. ليس الأمر كما تمنيتم ولا كما تشتهون بل الأمر أنه من عمل سيئة وأحاطت به فأولئك أهل النار وهم فيها خالدون. والذين آمنوا وعملوا الصالحات فأولئك أهل الجنة وهم فيها خالدون كما قال تعالي لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا [النساء:123] وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [النساء:124]
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ [البقرة:84] ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:85] }
تذكروا يا بني إسرائيل حين أَخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا في التوراة أن لا يقتل بعضكم بعضا ولا يخرجه من دياره ولا يظاهر عليه ثم اعترفتم بذلك وأنتم تشهدون على صحته. كانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع وبنو النضير: حلفاء الخزرج وبنو قريظة: حلفاء الأوس فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه فيقتل اليهودي أعداءه وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر وذلك حرام عليهم في دينهم ونص كتابهم ويخرجونهم من بيوتهم وينهبوا ما فيها من الأمتعة والأموال ثم إذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا الأسرى من الفريق المغلوب عملا بحكم التوراة ولهذا قال تعالى {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} وجزاء مَن يفعل ذلك منكم الذل والفضيحة في الدنيا ويوم القيامة يردُّهم الله إلى أشد العذاب في النار وما الله بغافل عما تعملون.
وَلَقَدْ جَاءكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ [البقرة: 92] }