يذكرهم موسي بنعمة الله عليهم وإحسانه إليهم بالنعم الدينية والدنيوية ويأمرهم بالجهاد في سبيل الله ومقاتلة أعدائه فقال يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة المطهرة وهي"بيت المقدس"وقاتلوا مَن فيها من الكفار ولا ترجعوا عن قتال الجبارين فتخسروا خير الدنيا و الآخرة. قالوا يا موسى إن فيها قومًا أشداء أقوياء لا طاقة لنا بحربهم خافوا من الجبارين وقد عاينوا هلاك فرعون وهو أجبر من هؤلاء وأشد بأسا وأكثر جمعا وأعظم جندا وهذا يدل علي أنهم ملومون لعدم مقاومة الأعداء وإنَّا لن نستطيع دخولها وهم فيها فإن يخرجوا منها فإنَّا داخلون. قال رجلان من الذين يخشون الله تعالى أنعم الله عليهما بطاعته وطاعة نبيِّه موسي ادخلوا على هؤلاء الجبارين باب مدينتهم أخْذًا بالأسباب فإذا دخلتم الباب غلبتموهم وعلى الله وحده فتوكَّلوا إن كنتم مُصدِّقين رسوله فإذا توكلتم على الله واستعنتم به ولجأتم إليه نصركم على عدوكم وأيدكم عليهم. قالوا يا موسى إنا لن ندخل المدينة أبدًا ما دام الجبارون فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا أما نحن فقاعدون توجَّه موسى إلى ربه داعيًا إني لا أقدر إلا على نفسي وأخي فاحكم بيننا وبين القوم الفاسقين فحرَّم الله على اليهود دخول الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون في الأرض حائرين يسيروا إلى غير مقصد ليلا ونهارا وصباحا ومساء فلا تأسف يا موسى على القوم الخارجين عن طاعتي.
ونزل بنو إسرائيل حول طور سيناء وصعد موسى الجبل فكلمه ربه وأمره أن يأمر بني إسرائيل بأن يتطهروا ويغتسلوا ويغسلوا ثيابهم و أمره حينئذ بعشر كلمات وهي الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والنهي عن الحلف بالله كاذبا والأمر بالمحافظة على السبت ومعناه تفرغ يوم من الأسبوع للعبادة أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض الذي يعطيك ربك لا تقتل لا تزن لا تسرق لا نشهد على صاحبك شهادة زور لا تعمد عينك إلي بيت صاحبك ولا تشته امرأة صاحبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئا من الذي لصاحبك ومعناه النهي عن الحسد وقال كثير من علماء السلف وغيرهم: مضمون هذه العشر كلمات في آيتين من القرآن وهما.
قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام:151] وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام:152] وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153] }
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى [طه:80] كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى [طه:81] وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82] }
يذكر تعالى نعمه علي بني إسرائيل بما أنجاهم من أعدائهم ووعدهم صحبة نبيهم إلى جانب الطور الأيمن لينزل عليه التوراة فيها مصلحة لهم في دنياهم وأخراهم وأنزل عليهم في شدتهم وسفرهم في الأرض التي ليس بها زرع ولا